متى أخرج من تحت عباءة شيخي؟(3) (قصة إسلامي صومالي)

قال :  فقد رأيت العجائب والغرائب في نظام الالتحاق بصفوف الحركة ، فهناك قوانين صارمة في التجنيد ، ولكنها تخرق لأسباب لم نفهمها ، ومن سأل عنها أُتهم بعدم الفهم والإدراك بمصلحة الحركة، فَقُيدت أسماء أناس لم تتوفر في حقهم شروط الإلتحاق في سجلات الحركة، وآخرون أكملوا الشروط المطلوبة ولكن  رُفض ترشيحهم .

وقد تصاب بالهول إذا رأيت أناسا لم ينتسبوا إلى الحركة يوما واحدا  أو رفضوا الانضام إليها بعد العرض عليهم ، ومع ذلك يعرفون من أحوالها ما لا يعرفها غالبية الأعضاء، لأن لهم علاقات أسرية أو صداقة مع عِلية القوم .

وأما النظام المالي في الحركة فلا يخضع لنظام المحاسبة والشفافية العلنية ، فَتُصنف الموارد والمصروفات في خانة السرية التامة التي لا يجوز الاقتراب منها أو السؤال عنها ، ولأجل ذلك ينشأ أغلب الخلافات والنزاعات بين أعضاء الحركة حول المال وإدارته وتوزيعه وتصرفه، فإذا حصل انشقاق وانسحاب عنها ، فكل واحد  يأخذ ما في يده – إلا من رحم ربك – .

وأما الجمعية الخيرية التي تُعد من أكبر أعمدة الحركة وأكثرها نفوذا وأوسعها حركة ونشاطا، لأنها تتولى جمع التبرعات من المحسنين لبناء المراكز والمساجد ودور الأيتام، وإيصال المساعدات إلى الفقراء والمحتاجين ، تقوم بأعمال جليلة ، ولكنها تحتاج إلى إعادة النظر في هيكلها الإداري ، وإصلاح ما يصاحبها من أخطاء جسيمة تشوه سمعتها وتضعف ثقة الناس بها، والملاحظ أن كثيرا من المرافق التي بنيت بأموال المحسنين تحولت إلى مصالح خاصة للبعض .

وتدير الحركة مؤسسات تعليمية كثيرة من التعليم الأساسي إلى الجامعي، ولا يمكن تولي إداراتها إلا من كان ولاؤه للكبار ، وأما المنح الدراسية فالأولوية للأقارب والأصدقاء ثم المؤيدين والمناصرين.

وكنت أظن بأني عصامي يستطيع تجاوز الصعاب والمشاكل التي تواجهني في سبيل الوصول إلى هدفي المنشود المتمثل في تحقيق العبودية الكاملة لله تعالى، ثم مرافقة رفقة صالحة تكون عونا وسندا لي في مواجهة متطلبات الحياة الصعبة مع كرامة وعزة نفس، لأن الانتساب إلى حركة دعوية ترفع شعار العدالة والخلق النبيل الذي يتعامل الناس بالكفاءة والمقدرة ، وهي تعلن بأنها  قد تحررت عن أفكار جاهلية جاء الإسلام لمحاربتها، يُعَدُ مكسبا لا يقدر بثمن،   ولكن كما قيل : تأتي الرياح بما لا تشتهى السفن، فتحول طموحي إلى سراب لا وجود له، فالشعار البراق الذي يسرق القلوب لا يعدو كونه مهرجانا انتخابيا ينتهي مع إعلان النتيجة، ولو عاد بي الزمن إلى الوراء لما انتسبت إليها ولم أقيد اسمي في سجلاتها، بل بقيت خارج حيطانها، وأحسنت الظن فيها ، ودعوت الله تعالى أن يبارك في عملها ، ولكن عندما تنخرط في عمل جماعي، ثم تبين لك بأن الأخطاء التي تُمارس  فيها ليست عفوية بل هي مقصودة ومكررة، تُصاب بالملل والكآبة، وتتمنى أن لا تعرفها ولا يعرفوك .

ولكن الحقيقة التي لا يجوز إنكارها ولا تجاهلها مهما كان الأمر ، هي: أني تعرفت على أناس صالحين يحملون هما كبيرا تجاه دينهم وأمتهم ، ولكن الكثير منهم عاجزون عن ترتيب أولوياتهم، أو تسويق أفكارهم الصحيحة بشكل قوي وشجاح، أو الوقوف أمام من يريد أخذ الحركات إلى غير ما أسست لها ، وحسبي أن أقول لهم شكرا أيها الفضلاء لقد استفدت من زمالتكم الشيء الكثير، فأنتم ملء السمع والبصر، وأهل الفضل والشرف،  ولكني قررت أن أَخْلد إلى الراحة وأن “أخرج من تحت عباءة شيخي “دون جلبة ولا صياح، ثم أن اتفرغ لتدوين وكتابة مذكراتي، بداية من يوم انتسابي إلى الحركة الإسلامية الصومالية إلى يوم تقاعدي، لأُعيد ذاكرتي إلى الوراء، وأستعرض شريط الحياة لحظة لحظة وساعة ساعة، وألا أترك شاردة ولا واردة إلا وقفت عليها وتتبعتها بيتا بيتا ، ودارا دارا ، وزنقة زنقة ، كما يقال ، لأروي للأجيال القادمة حكايتي مع الحركة، حلوها ومرها ، إنجازاتها وإخفاقاتها، صعودها وهبوطها، بكل صدق وشفافية ، وعدل وإنصاف، تدينا وتورعا ، من غير إساءة لاسم ولا لرسم ، مع إعطاء كل ذي حق حقه من غير شطط ولا بخس ، تمشيا مع قواعد الشرع الآمرة بالعدل مع القريب والبعيد ، والمحب والمبغض ، والموافق والمخالف، وإلا فعلى الأخلاق والمُثُل التحية والسلام .

وأعتقد بأن تاريخ الحركات الإسلامية الصومالية ملك للأمة جميعا، ولا يملكها فرد أو جماعة ولو كانوا من مؤسسيها وقادتها وأعضائها مهما ارتفع ولاؤهم وحماسهم ودفاعهم عنها أو تدنت وهبطت بغضهم وبعدهم من الحركة ، ولا يجوز أن تبقى حبيسة في دهاليز مكاتب الحركات أو في صدور أعضائها ، بل ينبغي أن تخرج عن طور الكتمان والخفاء إلى ساحة الإعلان، حتى يعرف الناس مكامن قوتها ونجاحها ليتم الحفاظ عليها وتطويرها وزيادتها ، أو جوانب ضعفها لكي يتم تداركها وإصلاحها حتى لا ينخدع الناس باستمرار طريق نهايته غير محمودة .

وأخيرا هذه حكايتي المختصرة والمهذبة مع التيار الإسلامي الصومالي، لم أقصد منها التشهير أو الإساءة إلى أحد ، أو رمي الكل عن قوس واحد ، واتهام الجميع بما هم برآء منه ، بل هي تجربة شخصية تروي مرئياتها حول شأن عام يشترك فيه الكل من غير تفرقة، كل يُحدث ويُسَطِر بما رأى وشاهد، فهو عمل بشري يصيب ويحطئ، و حسبي أنه صواب يحتمل الخطأ، فإن وفقت  إلى تقديمه بالوجه الأكمل، فالحمد لله أولا وآخرا ، وإلا فاستغفره وأتوب إليه.

Share This:

عن صومالي تايمز (التحرير)

صومالي تايمز (التحرير)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *