إنتخابات “صوماليلاند” والتأجيج العاطفي

تشهد أراضي صوماليلاند هذه الأيام حالة من الصخب الإنتخابي الفريد من نوعه والمتميز في حجم المشاركة الواسعة  والاستقطاب الهائل للجماهير  بصورة استوقفت كثيرا من المراقيبن ، فالحملات الإنتخابية التي تقودها  الأحزاب السياسية  الثلاثه المتنافسة اتسمت بالشراسة الخطابية و الدعائية وهو ما يعكس بصورة واضحه على  ذلك التسابق المحموم وغير المسبوق في توظيف وسائل الإعلام وشبكات التواصل الإجتماعي لنشر  البرامج السياسية للناخبين و التي  هي بطبيعة الحال تتأرجح بين ما هو  الواقعي والممكن والخيالي المفرط.

ومع ذلك لم تكتفي النخب المترشحة بالبرمج السياسية لإظهار تفوقهم بل تجاوزا إلى تشكيل وعي الجماهير من خلال الشاحن العاطفي و إستحصار المعتقدات والعزف على وتر الوطنية والقومية الأصيلة  ، فذهبوا بالمجتمع إلى حدود بعيدة ومناطق غريبة ، مما آسر لب  الناخب وجعله  يقظ المشاعر وهو يستمع بنشوة في لحظة  إستثنائية  يشعر بأن فرديته لا تساوي شيئا أمام طوفان المشاعر الحزبية ، فيُذيب ذأته الصغيرة في وسط الجماهير المتوهجة بحماسة ،  و يختفي صوته وينصهر تحت هتافات المؤيدين  ، ويتجدد الأمل الجامح بغدٍ يأتي  سريعاً  وهو يحمل كل ما هو أفضل و أكمل ، تلك هي ببساطة صورة تُصور براعة المترشحين الذين أجادوا  إستخدام  الكلمات  بذكاء وحرفية  لتصنع التاثير الملموس  الذي يفوق تأثير البرامج الجامدة والحقائق الموضوعية المنطقية  ، فأظهرت خُطبهم النارية القوية  قدرة على تحشيد الجماهير المؤيده لهم حتى يصلوا إلى كرسي  الدولة .

إن صناعة الدول الحرة تقوم على الدساتير وعلى وجود أحزاب بكل أنواعها وعلى توفر القوة الناعمة وغير الناعمة ، لكن الجوهر الذي يضمن بقاء تلك الدول متماسكة وقائمة هي الروح الجماهيرية  السائدة في داخلها ،  والمعروف بأن الأجواء الانتخابية  والثورية دائماً ما كانت  تعتمد على اللعب بالروح السائدة حتى يتسنى لها  خلق روح مغايرة لما  هو  قائم ، وهي عميلة خطيرة جداً تحتمل كل السيناريوهات  المتاحة ، فالانتخابات الإمريكية الأخيرة التي آجريت في عام  2016م هي مثال حي على ذلك ،  فهي  أظهرت بشكل جلي الإنشطار والإنقسام الذي أصاب الروح الإمريكية الواحدة  بسبب الخطابات التحريضية والتقارير المفربكة واللغة العاطفية المتطرفة التي كان يتبادلها الطرفان ، فبـ حسب إستطلاعات الرأي الإمريكية  التي أُجريت بعد  إعلان النتائج  أثبتت وجود فئات من الشعب الإمريكي يجدون صعوبة في تقبل فوز غريمهم الجمهوري فهم مازالوا يعتقدون بأن دولتهم مختطفه من قبل ‘عداء القيم الأمريكة ،  فتلك الفئات أصبحت ترى الحاضر والمستقبل  بمنظور يتختلف عما  كانت تراه قبل الإنتخابات ، مما جعل النخبة الفكرية الإمريكية  تستشعرخطورة تلك المشاعر الدخيلة كما يعتقدون على روح الإتحاد الذي تعتمد علية الأمة الأميريكة .

فالصراع السياسي المشروع على السلطة  يحمل معه في ذات الآن أشكالا من الصراعات غير المدركة في وقتها ولكنها تبدأ بالظهور مع اقتراب موعد إسدال الستار  النهائي على الإنتخابات ، فتكون تلك الصراعات إذا ما تم تداركها قبل ظهورها صورة بشعة لديمقراطية  الغير منظبطة ،

فالثقل العاطفي الذي ألقى لأشهر على مسامع الجماهير لا بد وأن يأتي بثماره ، فالجماهير ليس دائماَ غير فاعلة وتكتفي فقط  بالمشاهدة ، ربما في بعض الأحيان تحت ضغط  الإحباط وخبية الأمل  تحاول الشعوب  أن تصنع بيدها الفرق ما عجز صوتها أن يحققه لها  ، فإستشعار المترشحين الثلاث بأن مهمتهم لم تنتهي بفوز أحدهم اوخسارته بل هي  تمتد إلى ما  بعد  إعلان النتائج  ، فأمامهم عمل مشترك طويل يعمد إلى إزالة الحواجز التي أقامتها خطاب الإنتخابي ، والعودة من جديد إلى روح الشعب الواحد.

Share This:

عن صومالي تايمز (التحرير)

صومالي تايمز (التحرير)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *