حروب الفقر!

نُشر مؤخرا في “صومالي تايمز” دراسة  صادرة من البرنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول العنف الدموي  الذي يمارسه الشاب الإفريقي وتبعات هذا العنف من قتل تجاوز أكثر من ثلاثين ألف إنسان مسالم، ومن تهديد مستمر للسلام والاستقرار  العالمي.

وخلصت الدراسة إلى أن الفقر والحرمان والتهميش وضعف كيانات الدول الإفريقية هو السبب الحقيقي الذي يدفع الشاب إلى ذلك المستنقع الدامي،  وإستناداَ إلى هذه الدراسة فإننا نحاول أن نُخضع الحالة الصومالية المتمثلة بحركات العنف المتواجده بقوه في الساحة الصومالية إلى نتائج تلك الدراسة ، فيتبين لنا بأن  تلك الحركات هي حركات معقدة في توصيفها كونها تنطلق في حروبها  من دافع متشابكة ومن منطلقات  متباينة جداً ، و الأعقد من ذلك أحتوائها على  محورين متضادين في العادة وهما محور الخير ومحور الشر، فالباطن تلك الحروب التي تخوضها هذه  الحركات  ملئ بدوافع الطمع  والطموح المطلق ، والشعور بالفوقية والإستعلاء  وإيضا الشعور بالكراهية ورغبه في إلحاق الأذى بالآخر.

و” أحداث مقديشو الأخيرة “شاهدة على هذا الآخر المستهدف ، أما في ظاهرها فهي تتلحف ” كما تعتقد ”  غطاء الشرعية الدينية ومعاني الضمير والقيم والخير والعدالة والرحمة، وفي ذات الوقت تضع نفسها  في موضع المندوب المفوض من الله عزوجل” كذباً ” لتكون على رأس العباد حكماً و قاضياً  ومنفذاً  ،  لُتظهر بذلك  كمية الفقر الفكري والنفسي والأخلافي والعلمي التي تتملك منتسبين تلك الحركات قبل الفقر المعيشي وتخبط السياسي كما أظهرت الدراسة   .

إن  إزدواجية  الدوافع هو ما يميل إليه  جمع من  الخبراء العنف السياسي والإرهاب  ،  فهم في الواقع لا يحبذون فكرة  إجاد كبش فداء محدد يُحمل كل المسؤلية التي تدفع البشر للعنف ، فعندما تظهر دراسة ترحج الجانب المادي كدافع للعنف وتهمش نوعاً ما  الجانب المعنوي سواء كان فكرا أو إعتقاداً أو قيماً ،  فهي بذلك لم تُنصف الطبيعة البشرية المعقدة التي عندما تتحرك إلى العنف تتحرك  بكم هائل من العوامل الإجتماعية المترابطة و العوامل المادية المتعددة ، والعوامل النفسية، وأضف إليها المحرك الإيديولوجي ،وهو المحرك الأهم كونه  يُشكل خلفية الإنسان  الفكرية والعقائدية ، وأيضا  هو المسؤول الأول الذي  يغذي لاحقاً كل الأفعال الدموية ، ومعرفة حقيقة هذه الإيديولوجية  تساعد على  فهم الكثير من السلوكيات الغير الأدمية التي يمارسها منتسبي تلك حركات ، وإيضا نفهم عقيدة الموت والحياة التي ينطلق منها الشاب التي تجعله يعتقد بأنه إستثنائي في وجوده وإستثنائي في رحيله .

فالمعرفة الشاملة للحالة الصومالية تُساعدنا  في وضع الإستراتيجة الملائمة للقضاء على العنف المنظم ، و ايضاً تُسلمنا  الخيط الصحيح الذي يقودنا إلى  حلحلة  عقدة العنف المسلح ،  لأنه لسنوات طويلة تبنت الدولة الصومالية الخيار العسكري كحل أساسي ووحيد وأيد الشعب الصومالي بمجله هذا الخيار و بموجبه ذلك  تم إستجلاب قوات أجنبية من الخارج ومع ذلك على أرض الواقع لم يُحدث الخيار العسكري فارق كبير قي الحد من التطرف فكل ما أحدثه بأنه أدخل المسلح في وكره خفيو، وهو ينتظر  الفرصة والوقت الملائم ليعود ويبدأ من جديد ، فالخيار العسكري وحده أرهق الدولة والشعب الصومالي على حد سواء ، فالبحث عن الحل بصورة أوسع ربما يكون الأصوب.

فتحسين الأوضاع المعيشية على سبيل المثال وتقوية نظام الحكم  يساهمان في تكوين أرضية صلبه تصمد أمام العنف المسلح وتكون سبب في الحد من تزايد حجم تلك الحركات ، لكن لا تقضي عليها تماماً  ما لم يصحبها الخطابي الديني والتربوي بشكل كبير ، لأن مضعلة الحقيقة التي تواجه الطرفان  هي المفاهيم  الدينية ، فتصحيح تلك المفاهيم و إعادتها  إلى المسارها الصحيح في منظومة إصلاحية شاملة وكاملة ربما هو الخيار الذي علينا أن نتبناه قبل ضياع سنوات آخرى  ونحن ندور في فلك العنف الدامي .

Share This:

عن صومالي تايمز (التحرير)

صومالي تايمز (التحرير)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *