ملاحظات حول نظام المجلسين النيابيَّين في الصومال

تتعد المجالس النيابية من حيث تكوينها ووظيفتها تبعا لاختلاف الأنظمة الدستورية في كل دولة؛ فهناك دول تتكون السلطة التشريعية فيها من مجلس واحد يقوم على الرقابة والتشريع ويطلق “نظام الفردي، أو المجلس الواحد”.

بينما تتبع دول أخرى ثنائية السلطة التشريعية لظروف سياسية، وتطورات تاريخية، و قد نشأ هذا النظام في “إنجلترا” في بداية أمره نتيجة ظروف ساسية، وتطورات تاريخية وليس وليدة نظريات فلسفية وقانونية.

وهذا النظام أي ” نظام المجلسين” ليس خاصا بشكل معين من أشكال الدول، فهو متبع في الدول الفيدرالية مثل الولايات المتحدة، وبرطانيا، والدول المركزية مثل مصر، وموريتانيا، والملكية مثل الأردن.

وهناك دول تحولت من نظام المجلسين إلى نظام المجلس الواحد بعد تجربتهم مثل فنلندا، والنرويج، وأيسلندا، وهذا يدل أن الأمر يعود إلى ظروف سياسية، وإقتصادية، وكبر المسحاحة الجرافية، وتعداد السكاني، والتنوع الثقافي والعرقي لا غير.

ولاشك أن النظام السياسي لشكل السلطة التشريعية يعكس رؤية خاصة في التمثيل الديمقراطي.

شروط نظام المجلسين:

يجمع فقهاء القانون على أنه لا يمكن حصول نظام المجلسين الفائدة المرجوة منه إلى إذا اختلفا في هذه الجوانب :

أولا: من حيث طريقة اختيار الأعضاء، فأكثر الدساتير المتبعة على نظام ثنائية السلطة تشترط أن يكون انتخاب مجلس البرلمان/ الشعب عن طريق الانتخاباب المباشر لأنه الممثل الحقيقي للشعب، بينما المجلس الأعلى/الشيوخ يتم تكوينه على نمط مغائر مثل التعين بقوة القانون مثل دستور رومانيا لعام 1923، والوراثة كما في مجلس اللوردات بانجلترا،أو التعين عن طريق السلطة التنفيذية سواء كان لدى الحياة كماكان في إيطاليا، وكندا، أومدة معينة كما كان الشأن في العراق الملكية وبعض الدساتير تجمع بين التعين والانتخاباب.

ثانيا: الاختلاف من حيث عدد الأعضاء،  ويلاحظ دائما أن المجلس الأدنى/الشعب أكثر دائما من المجلس الأعلى في جميع الدساتير.

ثالثا: الاختلاف من حيث مدة النيابة وطرقة التجديد، ويلاحظ دائما أن المجلس البرلمان الأدني/ الشعب أقصر مدة من المجلس الأعلى/ الشيوخ لأنه المممثل الحقيقي للشعب فلابد من رقابة الشعب عليه في الانتخابات المتجددة.

رابعا:  الاختلاف من حيث السن وطبقة الانتماء، والحكمة في ذلك أن مجلس البرلمان يمثل الشباب بنشاطهم وحماستهم، بينما مجلس الشيوخ يمثل الرؤية والاتزان، فيجمع بين حماسة الشباب وحكمة الشيوخ.

فمثلا يشترط الدستور المصري لعام 1923 لعضو مجلس الشيوخ، أن يكون بالغا من العمر أربعين سنة، وأن ينتمي إلى طبقات الوزراء، ورؤساء مجالس النواب، ورؤساء ومستشاري المحاكم الاستئنافية، ونقباء الاطباء، وكبار الضباط من رتبة لواء فصاعدا، وكبار العلماء، والرؤساء الروحين، بينما لاتوجد شروط فعالة في مجلس البرلمان، وكذلك المجلس البلجيكي، والأردني وغيره.

خامسا: تساوى المجلسين في التشريع، بأن يكون لكل مجلس سلطة تشريعية حقيقية إلى جانب الوظائف المشتركة.

الصومال بين النظام المجلس الواحد ونظام المجلسين:

لقد كان المجلس الواحد هو المتبع في الصومال بدءا بدستور 1960م وانتهاء بالميثاق الفيدرالي الانتقالي لعام 2004م الذي نص في المادة ” 28″ في فقرتها الثانية “أن المجلس الشعب الفيدرالي الانتقالي سيكون مجلسا واحدا” ولكن الدستور الفيدرالي الانتقالي الحالي الذي تم صياغته (2012) يعد أول دستور أخذ بنظام المجلسين  حيث نص في المادة “55” أن البرلمان سيكون من مجلسين، مجلس الشعب ومجلس العليا” دون رؤية سياسية واضحة المعالم ووفق المعايير القواعد القانونية المتبعة في العالم الديمقراطي.

لم يفرق الدستور بين المجلسين في  شروط العضوية من الخبرة العلمية، والسن، والانتماء الطبقي فقد وضع شروطا عامة للبرلمان في المادة “58”  من بينها:  أن يكون العضو حاصلا على الشهادة الثانوية أو ما يعادلها، وأن يكون بالغا من العمر “25 سنة”، فبعض الدراسات تشير أن النسبة الحاصلة للشهادات العلمية، والخبرات ضئلية في مجلس الشيوخ مقارنة بالنسب الأخرى، وهو ما يقلل الفائدة المرجوة منه.

ولم يفرق  الدستور بين المجلسين في مدة الحكم فقد إشترط للمجلسين أربع سنوات تبدء من يوم إعلان النتيجة وهو الدستور الوحيد الذي لم يفرق مدة الحكم بين المجلسين من بين الدساتير التي تأخذ ثنائية الحكم حسب قراءتي.

أما في المهام التشريعية فالكل يشارك في الانتخابات الرئاسية، وعزل رئيس الجمهورية، وتعديل الدستور، واصدار التشريعات، وتعيين اللجان المستقلة، وتشكيل المحكمة الدستورية، والمهام الأخرى المنوطة في اللوائح فلا يوجد فروق تشريعية حقيقية فمجلس الشيوخ طبق الأصل للمجلس الشعبي، رغم اختلاف عدد المجلسين، ونوعية التمثيل كما ينص عليه الدستور ولكن هناك تداخل كبير بين مهمام المجلسين.

مراجعة نظام المجلسين:

نظام المجلسين ليس وليد الفيدرالية كما أسلفنا، فهو يرجع إلى ظروف إقتصادية وسياسية، ويرجع اعتماده بحسب رغبة الدولة، فهناك دول تخلت عنه بعد تجربته ، وأخرى لا زالت في طور استفادته بمهام مختلفة.

كان من المفترض أن يحقق مجلس الشيوخ دور الاستقرار السياسي في البلاد، وحل الخلافات التي تتجدد بين الولايات، والحكومة الاتحادية ولكنه فشل في أول تجربة له بعد اصطفافه مع الولايات، وتورطه في التوترات السياسية التي كان من المرجو حلها ، فإنه يقتقر الى مراجعته وفقا للمعايير القانونية.

وأرى أن المجلس لا يتماشى مع الظروف الاقتصادية، والسياسية للصومال، فالمهام المنوطة في الدستور  التي يحققها لا تتناسب مع المصروفات التي تتكبدها الدولة من عملية الانتخابات للمجلس، وعمل المجلس، ومكآفات الأعضاء، والعاملين، ومن الغباوة أن نقارن بين الدول التي تحتفظ نظام المجلسين مثل الولايات المتحدة وبين الصومال، فالمسألة لا تخضع للإعتبارات القانونية بقدر ما تخضع للظروف الإقتصادية، والسياسية، والمساحة الجرافية وتعداد السكاني.

فأقترح أحد أمرين:

أولا:  تفعيل المجلس، ومراجعة الدستور، ووضع حد بين المجلسين -كما تتطلب الدساتير والتجربة الديمقراطية –  من حيث عضوية المجلسين، وكيفية الاختيار ، والصلاحيات القانونية لتتحقق فائدة تتناسب مع النفقات المصروفة وهذا هو الراجح

ثانيا: حل المجلس الأعلى والاستفادة من هذه الميزانية في تحسين حال المواطن، وخلق فرص عمل لخريجي الجامعات، و بناء البنية التحتية، وفي النراع بين الولايات والحكومة الفيدرالية فإنها لا تحل بالطرق الدبلوماسية ولكن بالطرق القانونية كمحكمة الدستورية ، وهناك مجالس د ستورية كمجلس المستقل للمصالحة، ومجلس التعاون بين الولايات والحكومة الاتحادية بجور المجلس الأعلى.

Share This:

عن صومالي تايمز (التحرير)

صومالي تايمز (التحرير)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *