الصومال: فوضي الفيدرالية وغياب الإطار القانوني

بدأت ملامح الفيدرالية في الصومال في عام 1943م حين نادى بها بعض الأحزاب السياسية، وكانت حلم كثير من الصوماليين آنذاك،  ولكنها لم تجدت فرصة للتطبيق  إلا بعد انهيار الحكومة المركزية عام 1991م.

وفجأة وبدون ترتيبات دستورية – كما يتطلب الدستور الانتقالي 2012م في المادة (49) – ظهرت ولايات فيدرالية  على أرض الواقع لم تصل بعد إلى “دويلات فيدرالية” كما يتطلب الدستور-  ورغم ظهورها المفاجئ إلا أنها لم تركز على تقديم خدمات وتنمية للشعب  المسكين كما هو المرجو،  بل أصبحت غصة في حلق الحكومة المركزية،تارة تعلن قطع علاقاتها مع الحكومة المركزية، وتارة مقاطعة علاقتها مع دول المنطقة، بمعنى أن لها علاقة خارجية على خلاف المتعارف عليه دوليا، حتى اعتقد كثير من المجتمع الصومالي بأن  الفيدرالية ماهي إلا تهديدٌ لوحدة وتماسك البلاد، رغم عدم الاستفتاء بها شعبيا كشكل من أشكال الدولة الصومالية الحديثة كما هو المطلوب عرفا.

إن السياسة الخارجية والعلاقات مع الدول الأجنبية كانت وبشكل تقليدي من مسؤولية الحكومة المركزية، فوحدها تتولى إدارة تلك العلاقات الخارجية حفاظا على المصالح الوطنية، وقد تم التأكيد على ذلك في دساتير الدول الفيدرالية جميعا، حيث لا يمنح الدستور الوحدات المكوّنة للدولة الفيدرالية أية سلطات في مجال العلاقات الخارجية أبدًا، ولا يعطى أيّ دور جدي في هذا المجال،  إلا أن العولمة أدت أن تلعب الولايات دورا في مجال العلاقات التجارية والاستثمارية، وهذا ما نص عليه الدستور الفيدرالي الانتقالي الصومالي 2012م حيث أعطى للولايات  حق الإستشارة في مجال العلاقات التجارية الدولية، والمعاهدات، والقرارات السياسية ذات الأهمية في مجال التعاون الدولي، وخاصة إذا كانت المعاهدة تمس أو تتعلق بحق دويلة فيدرالية معينة، وذلك في المادة (53) من الدستور الانتقالي الفيدرالي.

غياب الإطار القانوني لتوزيع الاختصاصات:

يعدّ توزيع الاختصاصات بين الولايات والسلطات الفيدرالية من أهم المسائل التي تتعرض لها الدساتير الفيدرالية رغم الاختلاف الموجود بين الدول في طريقة توزيع الاختصاصات، وهناك ثلاثة أساليب متبعة  قانونيا في العالم الفيدرالي  عند الكلام عن توزيع الاختصاصات بين الدولة الاتحادية والدويلات المنتمية لها وذلك على النحو التالي:

أولا: تحديد اختصاصات الحكومة المركزية وحدها:

بمقتضى هذه الطريقة يحدد الدستور الفيدرالي الاتحادي على سبيل الحصر المسائل التي تدخل في اختصاصات السلطات الاتحادية المركزية، وكل ما لم ينصّ الدستور الاتحادي تكون من اختصاصات الحكومات الإقليمية.([1])

ويترتب على ذلك أن تكون الاختصاصات الممنوحة للسلطات الاتحادية هو الاستثناء، والأصل هو الاختصاصات الممنوحة للدويلات المنتمية للدولة الفيدرالية.

وهذا الأسلوب هو الأكثر شيوعا في الدول الاتحادية التقليدية ومنها الولايات المتحدة الأمريكية بمقتضى التعديل العاشر للدستور 1691م، والدستور الأسترالي حيث منح برلمان كومنولث سلطات حصرية، ولكن التطور التاريخي جاء على حساب الدويلات وذلك استجابة للتطورات الاقتصادية، والاجتماعية، والاستراتيجية بحيث أصبح الاتحاد هو المهيمن في واقع الأمر.

ثانيا: تحديد اختصاصات الولايات وحدها وترك ما تبقي للسطات الفيدرالية:

بموجب هذا الأسلوب يحدد الدستور الفيدرالي الاختصاصات التي تدخل في نطاق الولايات على سبيل الحصر، وترك ما تبقى للحكومة المركزية([2])، ومعنى ذلك أن اختصاص السلطات المركزية هو الأصل، واختصاص الولايات هو الاستثناء.

ويرى جانب من الفقهاء القانونيين أن هذا الأسلوب يؤدى إلى تحويل الدولة الفيدرالية إلى دولة موحدة بسيطة ، ومن حيث التطبيق لم يتبع هذا الأسلوب إلا دول فيدرالية قليلة من بينها كندا في دستورها 1900، وفنزويلا في دستورها 1953م.

ثالثا: تحديد كل من اختصاصات السلطات الفيدرالية وسلطات الولايات:

في هذه الطريقة يحدد الدستور الفيدرالي على سبيل الحصر المسائل التي تدخل في اختصاصات الحكومة المركزية، والتي تدخل أيضا في اختصاص الدويلات المنتمية إليها.

وهذه الطريقة معيبة مهما كان التوزيع دقيقا لأنه لا يمكن أن يكون شاملا لجميع المسائل، كما أنه يثير إشكالات عند استنجاد مسائل أخرى بمرور الزمن، وأخذ بهذا الأسلوب الدستور الكندي في عام 1867م([3])، والميثاق الفيدرالي الصومالي 2004م كما سيأتي.

 عدم تحديد توزيع الثروات:

توزيع الثروات من أهم المسائل التي تتعرض لها الدساتير الفيدرالية ،ولكنه لا يوجد معيار واحد لتوزيع الثروة بين السلطات الاتحادية والولايات ، فبعض الدول الفيدرالية مثل إسبانيا تعتمد توزيع دخل الدولة على أساس نسب توزع بين الحكومات المحلية والإقليمية والاتحادية، بينما الولايات المتحدة توزيع الدخل على أساس نوع النشاط:  ضريبة الدخل للحكومة الاتحادية، وضريبة المبيعات لحكومات الولايات، وضريبة العقارات لحكومات المقاطعات.

ويعتبر البترول مخزونا قوميا في أكثر الدول الفيدرالية غير أن دولة الإمارات العربية تتبع أسلوبا مغايرا حيث تستحوذ كل إمارة على جميع ثرواتها بما فيها الثروة البترولية والغازية، الأمر الذي جعل إمارتَيْ أبو ظبي ودبي الثريتين تسيطران على شؤون الاتحاد، بينما كُبلت بقية الإمارات الفقيرة بالديون التي تقترضها من إمارة أبوظبي بدرجة أساسية.([4])، والدستور الصومالي أهمل مسألة توزيع الثروات ولها انعكاساتها السلبية في المستقبل.

مسلك الدستور الفيدرالي الصومالي 2012م من تنظيم علاقة الأعضاء بالاتحاد:

إن مسألة التنظيم الدستوري للعلاقة بين الحكومة المركزية والأقاليم لا تتوقف عند حد الاعتبارات القانونية فحسب، بل لكل نظام فيدرالي ظروفه السياسية الخاصة به، والتي تختلف عن غيره.

وتنشأ الدول الفيدرالية عادة بأحد الأسلوبين التاليين([5]):

  • الاتحاد بالتجمع: وهو يحدث نتيجة انضمام عدد من الدول إلى بعضها، وهو الأكثر شيوعا وبهذا الأسلوب نشأ كل من الولايات المتحدة، وسويسرا، وألمانيا، وكندا، وجنوب أفريقيا.
  • الاتحاد بالتفكيك: وهو نتيجة تفكك دولة بسيطة موحدة إلى عدة دويلات تتنظم في اتحاد يجمعها وبهذا الأسلوب نشأ الاتحاد السوفيتي السابق، والبرازيل، والأرجنتين، والمكسيك، والصومال.

ويلاحظ أن الدول التي نشأت بالتجمّع تنضم بإرادتها، وكانت في الأصل مستقلة ذات سيادة فتحرص على تضييق اختصاصات السلطة المركزية بعكس الدول التي نشأت بالتفكيك.

وبما أن الدستور الصومالي فيدرالي فإنه من المفترض أن يحدد الاختصاصات بين الولايات والحكومة المركزية بصورة واضحة، ولكنه تعاضي عن التحديد، واستخدم لغة غير قانونية وغريبة في العرف الدستوري حيث ترك للتفاوض ، ومن المعلوم أن النزاعات التي تتجدد بين الحكومة المركزية والولايات الفيدرالية لا تحل بطرق دبلوماسية ومفاوضات في الخارج ، لأن الدولة الفيدرالية كيان قانوني واحد، يتم حل نزاعاته بالطرق القانونية وعبر المجالس القضائية للوطن.

فقد حددت المادة (54) من الدستور الفيدرالي بعضا من الاختصاصات الحصرية التي تمارسها الحكومة الفيدرالية وتركت الباقي للتفاوض وهذا بعيد كل البعد عن الصياغة القانونية التي تتطلب التدقيق في القضية التي تعد قضية مصيرية وهي كالتالي ([6])

“توزيع الاختصاصات السياسية، والاقتصادية سيتفاوض بها كل من الحكومة الفيدرالية، والولايات المنتمية ماعدا:

1- الشؤون الخارجية، 2- الدفاع الوطني، 3- الهجرة والجوازات، 4- السياسة النقدية التى تدخل حصريا في اختصاصات الحكومة المركزية”.

هذه الصياغة رغم أنها لم تترك الولايات بشأن الأمور المهمة لكنها أضعف من صياغة الملحق الأول والثاني من الميثاق الانتقالي الفيدرالي عام 2004م الذي حدد كلا من الاختصاصات التي تدخل في نطاق الحكومة المركزية، والولايات وذلك كالتالي:

الملحق 1: حدود سلطات الحكومة الفيدرالية الانتقالية:

تمارس الحكومة الفيدرالية الانتقالية سلطتها في الجمهورية الصومالية على الأمور التالية:

  • الشؤون الخارجية.
  • الدفاع والأمن.
  • المالية والبنك المركزي.
  • تأسيس هياكل الولايات.
  • البريد والاتصالات.
  • الهجرة والجنسية.
  • إدارة الموانئ.
  • التخطيط والتنمية الاقتصادية.
  • الموارد الطبيعية.
  • قبول وترخيص الشركات الخاصة وخاصة على المستوى القومي.
  • جمع الضرائب عن الصادرات والواردات والضرائب غير المباشرة

الملحق 2: حدود سلطات حكومات الأقاليم:

  • التعليم.
  • الصحة.
  • الشوارع في الأقاليم.
  • حماية البيئة.
  • شرطة الأقاليم.
  • التسكين.
  • تنمية المياه والطاقة الكهربائية.
  • التنمية الزراعية وإدارة المياه.
  • تنمية الثروة الحيوانية والمراعي.
  • تنمية الأعمال التجارية الصغيرة والتعاون التجاري الولائي.
  • توطين السكان.
  • تنمية الولاية، علمها، دستورها ونشيدها.
  • تعيين الولايات لجانها الانتخابية وتنظم مواعيد انتخاباتها.
  • تجمع الضرائب المباشرة.
  • تطوير الرياضة، الفنون، الآداب والفلكلور.
  • التراخيص التجارية.
  • تخطيط المدن وتصاريح البناء.
  • المحافظة على الصحة العامة.
  • مراكز الترفيه وحدائق الأطفال.
  • صحة الجمهور العامة.

 الفيدرالية بين مؤيد ومعارض:

هناك موقفان سائدان في الصومال ينطلقان من منظورين مختلفين: الأول منهما يرى تضعيف سلطات الولايات وتقوية دور الحكومة المركزية، وهذا الموقف ينطلق من مفهوم  يعتبر تزايد سلطات الولايات سوف يجعل الحكومة المركزية ضعيفة على نحو يهدد وحدة وتماسك الدولة الفيدرالية، وهذا مانادى به معارضو الفيدرالية ويؤيده الواقع السياسي الصومالي، ولكنه لا يلاقي قبولا علميا، لأن التجارب أثبتت أن امتلاك الولايات اختصاصات كافية وتتمتعها بمركز قوي  سوف يجعلها تشعر بأنها جزء من الدولة، وبالتالي ستتعاون مع الحكومة المركزية ومن الأمثلة القوية لهذا نجاح تجربة كل من كندا وسويسرا في الحفاظ على اتحادها ووحدة شعوبها بالرغم من الضغوط الذي تمارسه الاتجاهات المعارضة، والسر في هذا النجاح هو إعطاؤها للولايات اختصاصات كافية، بينما أثبت التجارب أيضا أنه لو لم تمتلك  الولايات اختصاصات كافية وملائمة ستنسحب من الحكومة المركزية وتشعر بالإهمال، ولهذا خسرت باكستان جزءا من إقليمها (البنغال الشرقي) لرفضها إعطاء هذا الإقليم اختصاصات كافية، وهو ما تزعم معاناته إقليم الشمال من الصومال (صومالاند) المعلنة عن الانفصال من طرف واحد بعد سقوط الحكومة المركزية.

يبنما الموقف الثاني ينطلق من تضييق دور الحكومة المركزية لأن الصومال عانت من التركيز الهائل  للسلطات في الحكومة المركزية، وسيطرة المؤسسة العسكرية على مقاليد الحكم، ويجب بث السلطات وتلبية الاحتجاجات المحلية، والقضاء على الأزمات الداخلية وهذا ما يناديه مناصرو الفيدرالية  ويتساءلون: لماذا اخترنا الفيدرالية إذا لم نرد تضعيف السلطات المركزية وبث السلطات على الولايات؟، ومن الفقهاء القانونين من يعتبر هذا الأسلوب معيار للدولة الفيدرالية مثل الفقيه ريموند كارفيلد كيتل.

وأخيرا:

أرى أن المشكلة عندنا دستورية بقدر ما هي سياسية ، فالدستور لم يتكفل ببيان توزيع الاختصاصات بصورة لا تقبل المناقشة، كما أنه أهمل توزيع الثروات، ونوع النظام السياسي، إضافة إلى  محدودية دور المجتمع المدني في سير العملية  بناء الدستور، لا سيما في المؤسسات الأهلية، ومراكز البحث العلمي، وكليات القانون، التى لم تعقد ورشات عمل حول الدستور، ولم تنجب دراسات في جوانب مختلفة من الدستور زغم ما لها من أهمية  في مشاركتها . ويجب أن يتكاتف الجميع في توعية الوعي السياسي والإصلاح الدستوري،  ومواجهة التحديات التي تزيح الدولة الفيدرالية برمتها، و الإستفادة من تجارب الأمم مع رعاية الظروف السياسية ،والاقتصادية ، والإجتماعية للبلاد، وفتح حوار جاد حول الملفات المهمة.

الهوامش:

[1] أزهار هاشم أحمد، تنظيم العلاقة بين السلطة المركزية وسلطات الأقاليم في النظام الفيدرالي ،  الطبعة الأولى 2014 ، (المركز القومي للإصدارات القانونية)، ص 70.، منصور ميلاد يونس ، الوجيز في القانون الدستوري والنظم السياسية، دار الكتب الوطنية، الطبعة الثانية 2013م، ص 166. ،العردادي خالد عليوي، توزيع الاختصاصات والمسؤوليات في النظم الفيدرالية والواقع العراقي، مقال في الشبكة العراقية.

[2] أزهار هاشم، مرجع سابق ، ص 71، منصور ميلاد مرجع سابق ، ص 167.

[3] أزهار هاشم، مرجع سابق، ص 72، منصورميلاد، مرجع سابق، ص 167.

[4]أزهار هاشم،  مرجع سابق، ص 90، أبو الغيث، الخلفية التاريخية للفيدرالية وتبلور ملامحها في العصر الحديث، مرجع سابق،  ص 5.

[5] منصور ميلاد، مرجع سابق ، ص  158.

 [6]مترجم من الدستور الفيدرالي الانتقالي 2012، المادة (54).

Share This:

عن صومالي تايمز (التحرير)

صومالي تايمز (التحرير)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *