وقفة مع رسالة متداولة حول ارتفاع تكاليف الحج في الصومال

كتبه/ حسن مودي عبد الله:

تمهيد:

تداول نشطاء في وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأسابيع الماضية محتوى قصيرا عن طبيعة إدارة عملية الحج في الصومال، تحت عنوان: “ما الذي يمنعك من أن تحجَ؟!” وهي رسالة حققت انتشارا واسعا بين مستخدمي هذه الوسائل، وبالنظر إلى مضامينها والتساؤلات التي تثيرها فهي بمثابة حملة  إعلامية ضد شركات الطيران الخاصة التي تدير أعمال الحج منذ سقوط الحكومة العسكرية عام 1991م.

إن النقطة الأكثر إثارة هي المقارنة بين التكلفة الإجمالية لرسوم الحج في الصومال 3800 دولار وتكاليف دول الجوار التي تتراوح ما بين 450 إلى ألف دولار على الأكثر؛ وبذلك يلاحظ الفارق الكبير مع مجانية التأشيرة أثناء الحج، وهي معلومات نناقشها في هذا التقرير، وبالأخص مدى صحة ما يقال من أن المبلغ الحقيقي الذي يحتاج إليه الحاج الصومالي 1600 دولار فقط شاملة كل شيء من تنقلاتٍ وسكنٍ وإعاشةٍ إلى جانب تذكرة السفر ذهابا وإيابا، أما الإجابة عن التساؤل الذي تثيره الرسالة في آخرها بشأن الجهة التي تأخذ المبالغ الإضافية المفروضة على الحاج الصومالي [2200 دولار] فإنها قضية تحتاج إلى تحقيق صحفي أدقّ قد يأخذ وقتا أطول مع ما يلفُّ حول هذا الملف من غموض وضبابية بل وخطورة أمنية باعتباره يمس مصالح سياسيين ورجال أعمال كبار في الصومال.

  • قراءة في المحتوى:

إن مضمون الرسالة دقيق ومركز وهادف لإحداث تأثير على المدى البعيد والقريب، كما أنه قائم على حسابات دقيقة ومنطقية، بحيث يستعرض كل التكاليف المطلوبة من الحاج أو الحاجة منذ الانطلاقة الأولى من البلد حتى العودة النهائية إليه؛ وذلك بما لا يتجاوز عن 1600 دولار أمريكي، وفي هذا إبراز وكشف دقيق بأن 2200 دولار إضافية مفروضة على كل حاج صومالي يحج بجواز سفر صومالي، وأن هناك مشاهدات وأدلة خارجية تمنح محتوى الرسالة تجاوبا وتعاطفا شعبيا، ومن ذلك الثراء الفاحش الذي حققه بعض مسؤولي الشركات المتهمة بالاستغلال غير المشروع من رغبة الصوماليين في زيارة الديار المقدسة وأداء فريضة الحج، واستعدادهم لبذل الغالي والنفيس من أجل تحقيق هذا الحلم الذي تتضاءل نسبة  القادرين عليه ماديا عاما بعد عام بسبب تزايد ارتفاع التكاليف بشكل مطَّرد.

وفي تعليقات الجمهور للمحتوى المتداول ما يؤكد من صحة المعلومات الواردة في الرسالة، وأن هذه الشركات قد توحدت تحت إدارة واحدة في فترة سابقة بهدف تعميق حالة الاحتكار على حساب البسطاء، وبحسب تأكيدات المراقبين فإن هذه المسألة من الملفات المسكوت عنا لأسباب متعددة، وأنه آن الأوان  لكشف كل المخفي والمجهول في هذه القضية التي اعتذر الحديث عنها حاليا أكثر من واحد من طاقم وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، وفي ذلك دلالات من نوع آخر.

  • التوقيت :

رغم انحسار هذه الضجة الإعلامية في وسائل التواصل الاجتماعي إلا أنها تتزامن مع اتساع هامش الحرية في عهد الحكومة الصومالية الجديدة التي تُعلق عليه آمال عريضة بشأن تحقيق مساعي الشعب الصومالي في التحرُّر من السياسات الاحتكارية التي يتبعها بعض التجار، ومن كافة القيود المعوِّقة للتنمية في الصومال.

ويرى المراقبون أن هذا النوع من التحركات الهادفة ينمُّ عن وجود غليان شعبي مكبوت ضد كل الجهات التي لا تزال تستغل من حالة الفراغ السياسي والقيادي منذ العقود الثلاثة الماضية، وفي مقدمتهم بعض التجار والسياسيين الانتهازيين الذين يدخلون أروقة الدولة والبرلمان بهدف حماية امتيازاتهم التجارية، ومن جهة ثانية فإن تزايد ارتفاع تكاليف الحج يُضعف الإقبال على أداء فريضة الحج، ويُحصر القادرين عليه في دائرة ضيقة من الطبقات الميسورة، ولا عزاء للحالمين بالحج من الفقراء الذين يشكلون أغلبية ساحقة في المجتمع الصومال بسبب الظروف الاقتصادية الاستثنائية  القائمة في البلاد منذ فترة طويلة.

  • التأثير المرتقب:

يُتوقّع أن تأتي نتائج هذه الجهود في الموسم القادم 1439هـ/2018م ضمن إصلاحات حكومية مرتقبة تؤدي إلى تفعيل دور الوزارات المعنية بهذه القضية، وقد يتطور الأمر إلى إعادة تشغيل الأسطول الصومالي للطيران المدني؛ مما يوفِّر فرصة عظيمة للمواطنين في جميع سفرياتهم الداخلية والخارجية، وعندها ستعيد شركات الطيران الخاصة حساباتها بشكل جذري، بحيث ستضطر إلى المجاراة مع المستجدات التي قد تتضمن إلى تحديد أو فرض تسعيرة جديدة تكون في متناول الجميع، مع وضع حدٍّ لكل التصرفات السلبية التي يقوم بها بعض القائمين في إدارة أعمال الحج؛ بما في ذلك التلاعب بنسبة الحجاج المقررة للصومال، وضعف مستوى الخدمات والمرافق الموفَّرة للحجاج أثناء سير أعمال الحج، إلى جانب التأشيرات التي تباع في السوق السوداء.

وفي حال مشاركة علماء الدين في الحملة فإن تأثيرها ربما سيتوسّع إلى دعوة لمقاطعة كليَّة أو جزئية للشركات الخاصة؛ وذلك من خلال استجابة جماعية لفتوى معتبَرة تدعو إلى أفضلية التوقف عن أداء فريضة الحج بعد كونه منحصرا في طبقة معينة من المواطنين دون غيرهم، وهذا وإن كان من الأمور المستبعَدة إلا أنه وارد ومحتمَل، وخاصة إذا تم تطوير وتكثيف الجهود الرامية إلى ترشيد السياسات  وإجراءات السفر إلى الديار المقدسة في بلاد الحرمين الشريفين، بعيدا عن أي نوع من أنواع الابتزاز  لأي طرف من الأطراف المعنية.

  • الدور الحكومي:

على المستوى الحكومي يتوقع بعض المحلّلين أن يستغلّ المسؤولون استغلالا إيجابيا من النداءات الشعبية بهدف زيادة الضغط على الشركات التجارية العاملة في هذا المجال ضمن إجراءات سيادية مرتقبة من الدولة الصومالية الفيدرالية ، من بينها تحديد الموعد النهائي لإعادة تشغيل شركة الطيران الصومالية الحكومية، مما يهدئ حالة الغضب والتذمر لدى المواطنين العاديين، علما أن عودة هذه الخدمة جزء من عودة السيادة الوطنية المنقوصة حاليا بسبب غياب أدوار حكومية كثيرة في مجالات عدة.

ومع التحرر المرتقَب من شركات الاتصالات والانترنت الخاصة بواسطة توفير خدمة حكومية منافسة صار من المحتمل أن تكون الخطوة التالية تدشين خدمة طيران مدنية حكومية بأسعار معقولة. ويتجسد الدور الحكومي قبل كل شيء في تفعيل دور وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، والتي ينبغي أن تضطلع بدورها في التعاقد المباشر – بنزاهة وبدون مؤثرات خارجية – مع المملكة العربية السعودية في كل ما له علاقة بشؤون الحج والعمرة والحصص المقرَّرة للصوماليين في الداخل والخارج.

  • الحل المنشود:

يكمن الحل ببساطة في أن يدرك الجميع بالمسؤولية الدينية والاجتماعية الملقاة على عاتقهم، وأن يتم معالجة كافة القضايا المثيرة للجدل على ضوء المصلحة العامة للمواطنين من غير إفراط ولا تفريط؛ على أن يتم إخضاع الجميع للمساءلة القانونية في حال حدوث أي تجاوزات ضد أي طرف من الأطراف المعنية، مع العلم أن الحل الأمثل في جعل إدارة أعمال الحج والعمرة تحت سيطرة تامة للوزارة المعنية؛ من غير أن تكون جهة تصدر تصاريح رسمية بعمولة رمزية تذهب لصندوق الدولة وأخرى تتم في الخفاء  بواسطة  تفاهمات مشبوهة أقرب ما تكون إلى المزاوجة بين المصالح الخاصة والعامة فيما ينعكس سلبا على هيبة الدولة الصومالية  واستقلاليتها في إدارة الشأن العام في البلاد.

Share This:

عن صومالي تايمز (التحرير)

صومالي تايمز (التحرير)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *