استسلام القيادي البارز بحركة الشباب أبو منصور للحكومة الصومالية..الدلالات والمصير المرتقب

استسلم الشيخ مختار روبو علي “أبومنصور” القيادي السابق المنشق عن حركة الشباب المتشددة صباح يوم أمس الأحد لحكومة ولاية جنوب غرب الصومال، حيث وصل إلى مدينة حدر حاضرة محافظة بكول برفقة مسؤولين حكوميين.

وفي اليوم نفسه وصل الشيخ روبو إلى مطار آدم عدى الدولي بالعاصمة مقديشو، وسط إجراءات أمنية مشددة على متن طائرة خاصة تقلّ أيضا مسؤولين عسكريين وأمنيين وعلى رأسهم وزير الدفاع الفيدرالي عبد الرشيد عبدالله محمد وسط تعتيم إعلامي، ومن المقرر أن يلتقي الشيخ كبار المسؤولين الصوماليين في البلاد حول مستقبله.

يأتي هذا الاستسلام بعد موجة هجمات مسلحة وعنيفة شنها مسلحو حركة الشباب على قرية “أبل” مقر إقامة الشيخ أبومنصور في الأيام القليلة الماضية، والتي أدت إلى خسائر بشرية ومادية في صفوف الطرفين إلا أنه تمكن من صدّ الهجمات، وقرية “أبل” التي تقع على مقربة من مدينة حدر هي قرية تقع في منطقة جبلية كان الشيخ يتحصّن فيها لمدة أربع سنوات.

وسبق أن استسلم قياديون وعناصر من حركة الشباب للسلطات الصومالية في السنوات القليلة الماضية من أبرزهم القيادي زكريا إسماعيل حرسي مسؤول المخابرات السابق في الحركة، ومحمد سعيد أتم، القيادي في شرق الصومال، والشيخ حسن طاهر أويس الذي كان رئيسا للحزب الإسلامي وانضم إلى الحركة.

الخلفية الأيدولوجية للشيخ روبو:

كان الشيخ مختار علي روبو من أبرز مؤسسي الحركة ورموزها المحورية التي كانت تسعى إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد، وكان من أهمّ حملة الفكر الجهادي، وممن يقرر مصير حركة الشباب ويقيّم تجربتها بين الحين والآخر باعتبار أنه كان من مؤسسي الحركة ومموّليها منهجيا وفكريا وإداريا، وتقلّد منصب المتحدث الرسمي باسم الحركة والنائب الثاني لأميرها.

ويرى الأستاذ عبد الرحمن سهل يوسف مدير مركز الإرشاد للحوار الفكري – وهو مركز يبحث في المعالجة الفكرية وظاهرة الغلوّ –  أن الرجل تبنَّى بأفكار ربما تصادمت مع أطروحات وأدبيّـات الحركة أثناء ممارسة مهامه كناطق رسمي باسم الحركة، من بينها محلية الحركة نشأةً وإدارةً بمعني أنها صومالية المرجع والطرح والجغرافيا، ولا تسعى إلى عولمة أنشطتها العسكرية وتمدّدها نحو دول الجوار، وعدم ممانعته الإتصال مع مختلف الكيانات الصومالية بما في ذلك قيادات الحكومة الصومالية.

وأضاف الأستاذ سهل في تصريح لموقع صومالي تايمز أن تجربة الرجل بُعَيد انسحاب القوات الإثيوبية عام 2009م من مدينة بيدوا واتصالاته مع القيادات الحكومية الصومالية خير دليل على ذلك، وكانت رؤيته لا تختلف عن رؤية مشروع المحاكم الإسلامية، وهي استيعاب جميع القبائل الصومالية في إدارة الحركة، بينما الأخيرة أنشأت مجلس نقباء القبائل الصومالية في كل ولاية من ولايات الصومال تأتمر بإمرتها مباشرة من دون شراكة.

وأيضا موقفه الرافض لحكم الردّة على المناوئين وهي أدبيات منتشرة في ساحة التيارات الجهاية، وترحيبه بفتح علاقات مع الدول العربية والإسلامية، والتركيز على مقاتلة القوات الأجنبية الموجودة في الصومال وتفادي المواجهات المسلحة مع القوات الحكومية، وهي كلها مبادئ تتناقض مع سياسات ومبادئ الحركة.

وكان اللافت للنظر تعامل الشيخ مختار روبو مع سكّان مدينة بيدوا والقيادات الصومالية الحكومية عقب إنسحاب القوات الإثيوبية منها 2009م، وإطلاق سراح وزير الموانئ السابق محمد إبراهيم حابسدي ومسؤولين آخرين، وربما كانت البداية الحقيقية لتمايز منهج الرجل عن الخط الإستراتيجي الذي رسمته قيادة الحركة منذ بروزها كتيـّار مسلّح يسعى إلى إنشاء دولة إسلامية موالية لتنظيم القاعدة في الصومال.

وعندما رأت القيادة المركزية للحركة مواقف الرجل أقالته من منصبه كناطق رسمي باسم الحركة، ومنذ ذلك التاريخ تعرض لتهميش مقصود.

مراجعات فكرية:

يرى الأستاذ سهل أن عدم إدارك الشيخ روبو أبومنصور في وقت مبكّر بفقه المصالح والمفاسد، وفقه استخدام القوة العسكرية ومراعات الأولويات في كل مرحلة من المراحل، وإهمال تجربة المحاكم الإسلامية في توسيع قاعدة المشاركة، إضافة إلى اندلاع المواجهات المسلحة بين الحركة وبين الحزب الإسلامي في كسمايو 2009م، ثم نتائج معركة “نهاية المعتدين” المشهورة، وما لحقها من انسحاب الحركة من مقديشو 2011م، ثم تعامل الأمير السابق مع بعض القيادات الأخرى، كل تلك المعطيات وغيرها أجبرت الرجل على أن يعيد النظر في حساباته، وينسحب من المعركة، ويعلن الحياد بمفرده بناء على مراجعات شخصية.

ولا يعني ذلك أنه تنازل عن بند تطبيق الشريعة الإسلامية في الصومال إلا أن البنية الأيدولوجية والفكرية للرجل تعرضت لزلزال قويّ نتيجة تجربته العسكرية والإعلامية والإدارية التي لطالما كان متحمسا إلى تطبيقها في وقت من الأوقات.

هجوم حركة الشباب على الشيخ بعد أربع سنوات من التحييد:

وعلى خلاف القياديين الآخرين فإن الشيخ أبو منصور بعد انشقاقه نجح في أن يكون على مأمن من هجوم متعمد لحركة الشباب على مقرّ إقامته، حيث أعلن حياده وتعليقه للأنشطة الجهادية، وبدأ يدرّس العلوم الشرعية في القرية، بحراسة نحو 400 مسلحين مدرّبين جيدا من أي هجوم من رفقاء دربه، أو من الحكومة الصومالية أو من القوات الأجنبية لاعتقاله أو تصفيته.

غير أنه بعد إعلان الولايات المتحدة الأمريكية قبل نحو شهرين عن  شطب اسمه من لائحة الأشخاص المطلوبين لها لأنشطتهم بالإرهاب، وذلك لتشجيع الحوار معه بعد بدء مفاوضات على مستويات مختلفة بينه وبين الحكومة حول انشقاقه ومصيره المستقبلي؛ بدأت حركة الشباب تعدّ له العدّة في تصفيته.

ويرى الأستاذ عبد الرحمن سهل أن حركة الشباب عرضت في البداية على الشيخ روبو أن يعلن موقفه صراحة من القرار الأمريكي، فكان جوابه أنه لاعلاقة له بهذا القرار ولا يخصّه، ولن يعلق عليه، وبعدها ساءت علاقة الرجل مع الحركة، وقررت حسم ملف الشيخ روبو عسكريا قبل أن ينتقل إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الصومالية.

الدلالات .. والمصير المرتقب حول استسلام الشيخ للحكومة:

من السابق لأوانه الحديث عن طبيعة المعادلة العسكرية والأمنية المقبلة بين الحكومة الصومالية الفدرالية، وبين حركة الشباب المتشددة والتي ما زالت تشنّ عمليات عسكرية ضد أهداف حكومية، إلا أنه في حال انضمام الشيخ أبو منصور إلى مؤسسات الدولة الصومالية وتوظيف طاقاته في القضايا العسكرية والأمنية والفكرية، فإنها قد تؤدي إلى هزّة فكرية في الساحة.

وهذا بلا شك ستُنْعِش استراتيجية الحكومة الصومالية الرامية إلى بسط سيطرتها على الأراضي التي ما زالت تخضع الآن لسيطرة الحركة، وكل ذلك يرتبط بخطوات الرجل العملية في المرحلة القادمة حسب ما يراه الأستاذ عبد الرحمن سهل.

أما الأستاذ سالم سعيد سالم المحلل السياسي والباحث في الشؤون الحقوقية فيرى أنه إذا أحسنت الحكومة الصومالية ملفّ تعاملها مع الشيخ روبو وأبدت له مرونة فإنه بإمكانه أن يضمّ مئات من المتشددين القياديين البارزين والمتعاطفين مع الحركة، ويرغبهم في الاستسلام للحكومة، خاصة أولئك الذين ينتسبون إلى قبائل دغل ومرفلي.

وأضاف الأستاذ سالم لموقع صومالي تايمز أن كون الشيخ روبو من الشخصيات المحورية والمؤثرة السابقة في مسيرة الحركة، وامتلاكه بنكا من المعلومات الإستراتيجية المرتبطة بها، فإنه يمكن أن يسبب انفجارا مدوّيا في خلق عدم الثقة والشكوك في بنيتها خاصة بعد عمليات تصفية قادتها الكبار التي شهدتها الحركة في السنوات القليلة الماضية على يد قوات أمريكية ومحلية.

وهناك ثلاث سيناريو حول استسلام أبو منصور: الأول: أن ينضم إلى الحكومة الصومالية مع تعزيز مليشياته المسلحة المتمركزة في محافظة بكول ومواصلة القتال ضد رفقاء دربه، الثاني: الإنسحاب من المشهد كله، وهذا مستبعد، أما الخيار الثالث فهو الإنتقال إلى بلد آخر والإقامة فيه مثل الشيخ محمد سعيد أتم المقيم حاليا في دولة قطر.

 

Share This:

عن صومالي تايمز (التحرير)

صومالي تايمز (التحرير)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *