إطلالة على هامش حرية التعبير في الصومال

كتبه: حسن مودي عبد الله :

في بلد مثل الصومال يُعتبر هامش الحرية ضئيلا جدا لأسباب أمنية في مجملها، وإن أي كاتب طموح يضطر للتنازل عن تناول مواضيع كثيرة يصنِّفها – بواقع الحال – كخط أحمر ومنطقة ممنوع الاقتراب منها؛ وذلك بحسب الفرص المتاحة أمامه، ومدى سلامته من التعرض لملاحقات واعتداءات تأتيه من قبل أطراف متعددة.

ومعروف أيضا أن الصومال تحتل مرتبة متقدمة في قائمة ضحايا الكلمة وفق تقارير المنظمات الحقوقية الدولية، وبالأخص اعتداءات المجرمين المنفلتين من العقاب، وهناك بون شاسع بين المساءلات القانونية ضد الكتاب والصحفيين عندما يخطئون.. وحين يُعتدى عليهم، وتُنتهك حقوقهم، وتُسجَّل قضاياهم ضد مجهول.

وإن أكثر الكتَّاب الصوماليين جرأة هم المقيمون خارج البلاد؛ مع تفاوت الفرص فيما بينهم بحسب البلدان التي يعيشون فيها من حيث القرب والبعد عن الأيادي الباطشة التي تخاف من الكلمة أكثر من الرصاصة، وهذا مما يزيد هجرة الأقلام المحترفة بحثا عن أجواء أكثر حرية وانفتاحا، وبهدف صقل المواهب وتنمية القدرات الإبداعية لديهم في أماكن لا خوف فيها من أية ضغوط وأعباء اجتماعية أو ربما دينية ضمن ما يُعرف بقاتلات الأفكار والإبداع.

  • الهامش المتاح:

وعندما ينوي أيُّ كاتب التحقيق في قضية ما فإنه – من باب الاستئناس بالرأي ومقتضى الضرورة – يستشير ببعض أصحابه خشية أن لا يقوده شغف الكتابة إلى ما لا تُحمد عقباه من ويلات أمنيات الدولة وحكام الأقاليم وأتباع الدواعش وأبناء القاعدة؛ ممن يرصدون صرير الأقلام، ويعدُّون أنفاس الصحفيين في كل المنابر مع اختلاف العقوبات بحسب الخلفيات الفكرية لدى الجهات المختلفة.

 وبطبيعة الحال هي عقوبات قاسية في المناطق التي يسيطر عليها بعض التنظيمات الإسلامية بما فيها جماعة أهل السنة الصوفية المسلَّحة بوسط الصومال؛ حيث تشمل الاعتقال والاغتيال أو التعذيب حتى الموت وفق أحداث وحالات مسجلة، إلى جانب ذلك فإن تهمة التخابر مع طرف ما جاهزة لتُلصق بأصحاب الأقلام والصحفيين عموما، وللأسف يشاع أن معظم الصحفيين المتميزين ذوي صلة بجهات أجنبية، وهذا من التعميم المذموم.

والواقع أنه لا يمكن أن يعيش كاتب حر في المدن التي تديرها المعارضة الإسلامية المسلحة بمختلف مشاربها خشية اتهامه بالتجسس لصالح الطرف الحكومي، كما أن حرية التعبير غير مكفولة بشكل عام في كل مكان يسود فيه الاستبداد في بعض الولايات؛ ناهيك عن المناطق التي يحكمها الإسلاميون المتشددون، والتي تُمنَع فيها الصحون اللاقطة للبث المباشر والهواتف الذكية بل وتُفتش فيها ذاكرة الهاتف الذي يحمله الشخص العادي.

وفي اليوم الذي يتجاوز الكاتب الخط الأحمر المرسوم افتراضيا يضطر إلى أن يدخل خندقا آمنا كأن يمتنع من الذهاب أو السكن في بعض الأماكن التي يعتبرها خطرة على حياته، وبالتالي تنحصر تحركاته في دائرة ضيقة، ويخاف عليه أهله وأصحابه الذين يفكرون – ضمن تدابير واحتياطات كثيرة يتخذونها – بأن يسكتوه نهائيا أو يرسلوه إلى إحدى البلدان المجاورة؛ وذلك خشية أن يكون شهيد الكلمة غير مأسوف عليه.

وتجدر الإشارة إلى أن هامش الحرية المتاح لأصحاب الفكر والقلم جيد إلى حد ما بالمقارنة مع ما كان عليه الواقع سابقا في الصومال إلا أن هناك حالة من التوجس والحذر لدى من يمتهنون الصحافة على وجه الخصوص، ومن بين الحالات التي أثارت اهتمام الكثيرين حالة الصحفي الإذاعي هَنَدْ علي جوليد الذي انفلت من قبضة مسلحين من حركة الشباب المجاهدين بعد أن ألقي القبض عليه وطُرح مقيدا في مؤخرة سيارة مجهولة، والتي تعطَّلت في الطريق؛ مما مكَّن الصحفي من الهرب بأعجوبة.

ويُعتبر ذلك أمرا بسيطا بالمقارنة مع ما كان يلاقيه الصحفيون سابقا من ضغوط العمل في عاصمة منقسمة بين نظام الدولة والمعارضة الإسلامية المسلحة، وكيف أن رسالة مقتضبة يرسلها شاب صغير كانت تكفي لإسكات الإذاعة أو إغلاق الصحيفة على الفور.

  • جهود حكومية:

وأثار قانون الصحافة الذي تم التصديق عليه في فترة الحكومة السابقة جدلا واسعا، وأظهر بعض شكاوى الصحفيين الصوماليين حول بعض بنوده، وذكر وزير الإعلام والإرشاد القومي المهندس عبدالرحمن عمر عثمان “يريسو” أنه ستتم إعادة النظر في بعض بنود قانون الصحافة في البلاد.

وفي الشهر الجاري صادق مجلس الوزراء الفيدرالي في جلسته الأسبوعية التي عقدت في مدينة كيسمايو لأول مرة على القانون المعدّل للصحافة، بعد إجراء مشاورات مع الجهات المعنية كي يتماشى مع المرحلة التي يمر بها البلد…إلا أنه وبعد تلك الجهود فإنه لا تزال هناك عقبات حول حرية التعبير وإجراء تحقيقات مستقلّة ومعمَّقة حول ملفّات عديدة.

  • تساؤلات:

من الذي يتصدى لملف الفساد المالي في بعض مؤسسات الدولة والعقود الفاسدة التي تُبرم مع شركات تجارية محلية واحتكارية في مجالات عدة، أضف إلى ذلك ملف التزوير في الوثائق وتمليك العقارات الحكومية للصوص على حساب ملاكها الحقيقيين؟ وهل يجد المحقِّقون من يضحُّون بأنفسهم للحديث عن الحقائق المخفية في ظل وجود الاستهداف العلني بشتى الوسائل كل من يقترب إلى ساحة أسرار بعض المتنفذين في تلك المؤسسات العامة والخاصة؟.

وفي سياق متصل.. من يستطيع الحديث بعمق عن الأدوار المشبوهة لبعض الدول، وما يقوم به عملاؤها من التخريب والتهديد للشخصيات الوطنية في البلاد وخارجها ؟ ومن يقدر إلقاء الضوء على بعض الاتفاقيات التي تبرمها بعض الدول مع بعض رؤساء الولايات بعيدا عن الحكومة الاتحادية فيما لا يخدم المصلحة الوطنية؟.

  • إمبراطوريات ناعمة:

بشكل عام لا أحد ينكر بوجود هامش حرية في التعبير، كما أننا لسنا في بلد يحكمه دكتاتور متوحش يكمم الأفواه؛ ولكن يجب التأكيد بأن هناك إمبراطوريات ناعمة وخفية تنفذ مخططات مشبوهة واغتيالات تحمل بصمات حركة الشباب المجاهدين، ورغم ذلك فإن أغلب تفاعلات الأحداث مكشوفة بدرجات مقبولة بواسطة مقالات لأصحاب أسماء مستعارة، وعلى شكل شائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو عبر مواقع مجهولة المصدر ومؤثرة في نفس الوقت على الرأي العام المحلي.

وباختصار:  فإن الذي نفتقده هو سلطة موحدة في سياساتها الإعلامية بجميع الولايات، وتكون بنَّاءة على الصعيدين القومي والإنساني بدون مزايدات وأكاذيب إعلامية مدفوعة الأجر، مع ضرورة توسيع هامش حرية التعبير، وتمكين وسائل الإعلام المحلية دورها الرقابي حتى يستطيع المواطن أن يعرف بكل حرية وشفافية مجريات الأمور داخل مؤسسات الدولة والمجتمع بكل أطيافه ومستوياته؛ مما يؤدي في النهاية إلى رأي عام إيجابي يخلق بدوره ولاء جماعيا لصالح المصلحة القومية للبلاد.

Share This:

عن صومالي تايمز (التحرير)

صومالي تايمز (التحرير)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *