الصادعون بالحق: قراءة للمنطلقات الفكرية ومآلات المستقبل (الفرع الصومالي)

ظهرت جماعة الصادعون بالحق فجأة إلى العلن، وبدون مقدمات في  4 رجب 1438 /02 أبريل2017 وكان أول ظهور لها عبر فيديو أطلق من القاهرة، ونشر في وسائل التواصل الاجتماعي يظهر فيه شخصيات من أربعة بلدان إسلامية، من بينهم ثلاث صوماليين، ثم ألقي ترجمة حرفية للبيان باللغة الصومالية من داخل العاصمة مقديشو بحضور عدد لا بأس من قيادات الجماعة.

تلا ذلك بيانات متزامنة أطلقت من هرجيسا وغرووى وبوصاصو وبشكل متلاحق وسريع أدهش المتابعين بدا وكأنه تم بتخطيط لإيهام الناس بأنهم لهم أنصار في كل مكان، وكلها تشمل على إعلان الولاء والتأييد لبيان أمير الجماعة الصادر من القاهرة، كما احتوت التسجيلات الإعلانية على بيان مجمل فكر الجماعة مركزة على مفردات متشابهة هي الحاكمية والجاهلية والطاغوت، ودعوة الناس جميعا إلى عبادة الله وحده.

في الوهلة الأولى من إعلان الجماعة أثارت الكثير من التباين في تقييمها نظرا لظهورها المفاجئ وشح المعلومات عند البعض، ولكن بعد وقت قصير جدا توفر لدى الباحثين مادة كبيرة من البيانات المسجلة والمكتوبة، وعشرات من حسابات مواقع التواصل الاجتماعي ، وقد احتشدت تعليقات من شخصيات مطلعة لديها الكثير من المعلومات عن الجماعة الجديدة وتطورها الفكري، فلم يعد تقييم الجماعة من الصعوبة، وهذا الورقة محاولة لاستجلاء الملامح الفكرية والمنهجية ،ورصد لردود الأفعال إبان ظهورها، واستشراف لمستقبلها.

البيان الأول الذي تلاه مصطفي كامل محمد، أمير جماعة الصادعون بالحق، استهلَّ به بآية من آخر سورة إبراهيم:{هَٰذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}، ومن ثم أكمل قائلًا ” نحن نعلن للجميع أننا جماعة من المسلمين، أهمّها ما تراه وتسمعه في العالم، فلقد ظللنا نراقب ونعاين على مدي الأربعين عامًا الماضية، وبالتحديد منذ عام 1939هـ – 1973م، نراقب حال أمتنا التي كانت يومًا ما تنعم بدين الله، بالإسلام علمًا وتطبيقًا وسلوكًا، نراها الآن تعيش في شقاء وإنحلال أخلاق وفقر”.

وهكذا لخص البيان ملامح دعوة الجماعة، وهو بداية الدعوة من الصفر ودعوة المجتمعات إلى الدين الحق، ووصف ما عليه الشعوب اليوم بحالة العرب قبل الإسلام، كما اتخذت شعارها قوله تعالى : (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) وهو شعار ينم عن طبيعة المرحلة الدعوية القائمة على الدعوة إلى التوحيد وبناء العقيدة، وبالتالي اعتبار المدعوين بأنهم مثل أقوام الأنبياء حين أعلنوا فيهم هذا الإعلان:(اعبدوا الله ما لكم من اله غيره) وأن عليهم قبول التوحيد.

نشأة وتطور الفرع الصومالي للصادعون:

ترجع الجذور الأولى للفرع الصومالي من جماعة (الصادعون بالحق) إلى جماعة ” اتحاد شباب المسلمين” – التي عرفت لاحقا بـ”الأهل” والحديث المتوفر عن تلك المرحلة أصبح فقط حكايات بقيت في أذهان بعض كبار السنّ من الدعاة، وهي حكايات أكثرها تخمين، وقد بقي الأمر كذلك إلى أن ألف الشيخ عبد القادر موسى مذكرات عن جماعة عن ” الأهل” وهو خير من يعبّر عنها؛ لأنه أصبح رئيس شورى الجماعة ، وصار هو المدافع عنها بقلمه ، وفي كتابه الجديد الذي صدر في إبريل 2016 فك رموزها لأول مرة، ولا أكون مبالغا إذا قلت إن هذه المذكرات التي طبعها تحت عنوان ” صفحات من تاريخ اليقظة الإسلامية في الصومال” (رؤية من الداخل) هي من أفضل ما يكتب لتصوير بداية الصحوة الإسلامية عموما وفي مرحلة (الأهل) بشكل أخص.

تأسست عام 1968م وكانت تتبع أسلوب الدعوة العلنية في بداية أمرها وكانت مسألة الحكم بكتاب الله من العناوين البارزة في كل خطابها، وأن الحاكم الذي لم يحكم بكتاب الله يكون كافرا أصليا… و” لم يكن لدى هذه الجماعة أي فرق بين فرعون الذي قال: أنا ربكم الأعلى، وبين أي رئيس في دولة عربية أو أعجمية، ما لم يؤمن بالله العظيم، وما لم يحكم بكتابه الحكيم قضائيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وما لم يعادي الكفر ويوالي المؤمنين “(صفحات من تاريخ اليقظة الاسلامية 62).

وقد تجسدت هذه الرؤية في الانتخابات البرلمانية التي جرت في يوم 26 مارس 1969م حيث” قدمت الجماعة خطباءها في كل المناطق، وألقت خطابها الناري الرافض للمشاركة في الهيئات التشريعية التي تشرع للناس ما لم يأذن به الله واصفة إياهم بـ(المشركين الحقيقيين)..وكان ذلك أمام الجماهير، في المساجد، وفي المدارس، والمراكز العامة وفي الشوارع وعلى مسامع الناس”، كذلك رفضت الجماعة المشاركة في صلاة جنازة  الغائب على الرئيس جمال عبد الناصر ووصفته بأنه ” كلب عقور مخلص للغرب الكافر “،بعد أن اتشحت الأجواء بالتعازي والبكاء، وأقيم عليه مأتم وعويل وصلاة الغائب في كل أنحاء جمهورية الصومال، بل إن الجماعة عقدت اجتماعة لاختبار مفاهيم الحركة، كان السؤال المطروح على المجتمعين: هل فيكم من شارك صلاة الجنازة على الهالك جمال عبد الناصر؟ جاءت الإجابة بالنفي القاطع والاستغراب، وقال الجميع كيف نصلي عدو الله، (ص:137] .

وقد رفضت كذلك مشاركة صلاة الغائب على الرئيس الصومالي الأسبق عبد الرشيد علي شرمأركي حين قتل في 13 أكتوبر 1969م في لاسعانود ، ولم يقل أحد من الحركة (رحمه الله) بل كانت العبارة الدارجة عندهم (عامله الله بما يستحق) ، لأن الاعتقاد كان جازما في كفر أي حاكم لم يحكم بكتاب الله كائنا من كان مهما صلى وصام وزعم أنه مسلم، وبما أن رئيس الجمهورية لم يحكم بكتاب الله، معنى ذلك أنه رفض كتاب الله ورماه وراء ظهره، وبهذا الاعتقاد لم يتردد أحد عن هذا الحكم- على الرغم من أنه كان من المترددين على أماكن العبادة، وأنه أخذ عهدا بتطبيق الشريعة إذا نجح في الرئاسة- (ص 141 المصدر السابق ،مخطوط) بخلاف الشعب الصومالي فقد كان الشعور السائد هو أنه مسلم 100%.

من تكفير( الحاكم) إلى (المحكومين):

استمرت مرحلة الثورة ضد العلمانية بكل مسمياتها من اشتراكية أو رأسمالية، وإعلان النكير على القوانين الغربية ومنفذيها، واستمرت إلى منذ منتصف السبعينيات من القرن الميلادي المنصرم 1976م تقريبا حيث أجرت الجماعة تطويرا في منهج تغييرها وأساليب دعوتها على شكل مراجعات فكرية بعد إقامة (محاضرات حول تجديد المفاهيم) وخلاصة هذا التطور يتمثل أن فكر الجماعة تطور من قصر التكفير على (الحكام) إلى (تكفير المجتمع) بحجة الإخلال بكلمة التوحيد حيث إن لها معنى وشروطا معروفة…وأن أي غبش في التصور وفي التوحيد أو تشويه في المفاهيم والاعتقاد أو شذوذ في السلوك أو انهزام في الضمير والروح حولها يؤثر على جوهر الإسلام وجوهر الالتزام، وجعلوا من حيثيات تكفير المجتمع (انتشار “شطحات المتصوفين العاكفين على القبور والشرك المشاع في البلد كالدعاء لغير الله).”–علما بأن أعضاء الجماعة في بدأ أمرهم كانوا يشاركون في احتفالات الصوفية وينشدون القصائد- .

وبهذا اعتبرت الجماعة نفسها “لبنة بعثية للأمة المسلمة ” التي انقطع ووجودها منذ انقطاع الحكم بشريعة الله -، وليست “حركة إصلاحية” تحاول ترميم القوانين الغربية باسم الإسلام، إشارة إلى فكر وهتافات الإخوان المسلمين في ذلك الزمن باسم ” إصلاح القوانين” ونتيجة لذلك تخلت الحركة عن مسألة الانقلاب والانضمام إلى الجيش بهدف إنشاء جناح عسكري بعد أن اتسعت مطالعاتهم واقتنعوا بأن الطريق إلى ”حكم إسلامي” طويل ومحفوف بالمخاطر،(المصدر السابق، ص 215)

وقال أيضا: ” قلنا: إن هذه الأمة التي تدعي أنها هي الأمة المسلمة، أحاطت بعقيدتها غيوم من الجهالات والظنون الفاسدة.وعمليا: هي تتحاكم إلى قوانين الكفر، ومن ثم لا فائدة في بذل القوة لإصلاح القوانين الحالية، فلا بد من إعداد جماعة بعثية تحدث انقلابا إسلاميا على التصور وتؤسس لهم بعد ذلك دولة على أسس إسلامية..ولابد من التدرج.. ” (ص: 293)

ثم انفتح باب الحديث عن” دار الكفر” و” دار الإسلام” وتبنت الحركة رأيا يقول: “إن دار الكفر هي الدار التي تظهر أو تسيطر عليها أحكام الكفر”، وأن الفقهاء جوَّزوا في دار الكفر الموافقة في الهدي الظاهر كاللباس والهيئة لأهل الكفر؟!!.

ثم تطور الأمر إلى تكفير أئمة المساجد الذين اتبعوا سبيلا غير سبيل المؤمنين، وبدأ إقامة صلاة الجماعة في قعر البيوت واعتزال المساجد (المرجع نفسه ص299) ثم جاءت صيحة السلفية، واعتبرت تلك الرؤية بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، وشنت عليها بالهجوم حسب تعبير الكاتب عبد القادر موسى.

وهكذا بقيت الجماعة في حيز الكمون والعزلة الشعورية أو المرحلة السرّية بحيث لا تبوح بأفكارها للمجتمع بل بقيت أفكارها متداولة في نطاق الأسر والأبناء، وخلال مسيرة المرحلة الأولى يمكن القول بأن الجماعة تقلصت كثيراً بعد عمليات الانشقاقات العديدة، حتى إن المؤسس للفرع الصومالي الشيخ عبد القادر شيخ محمود انشق عنهم قبل أكثر من 13 عاماً.

وأخيرا جاءت ساعة الإعلان عن شروعها في مرحلة ” الصدع” أي الجهر والظهور العلني في 4 رجب 1438هـ 2 أبريل 2017 ، وهنا لابد من تساءل عن توقيت الإعلان، وفي رأيي إن الجماعة ظلت تعاني من صراع البقاء فترة طويلة في الخفاء والتستر مما جعلها عديمة الفاعلية ، ضعيفة التأثير ، آيلة للسقوط والاضمحلال وهذا الاختيار وان كان يضعها في موضع المواجهة والابتلاء الا أنه يكسبها حضورا، ويبث في كيانها الحيوية ، ويضعها أمام التحدي الحقيقي، وخصوصا في مصر حيث قبضة النظام الحقيقي، وقد أشار بعض الكتاب إلى احتمال رغبة الجماعة في استثمار ثورة الغضب ضد الأنظمة الوظيفية التي أفشلت الربيع العربي، ويطمحون  في استقطاب الشباب المحبطين من مختلف الحركات الإسلامية التي فشلت في إستيعابهم، الغاضبون من شيوخهم وقادتهم الذين خيبوا آمالهم، وأولئك الذين يعتصرهم الألم والإحباط من واقع عالمنا الإسلامي وحجم المظالم في حق الشعوب.

المرتكزات الفكرية للجماعة:

مركزية الحاكمية القانونية : يلاحظ في تسجيلات ونشرات الجماعة تركيزها المفرط على فكرة الحاكمية والتشريع لله سبحانه، ويعتبر أي شكل من أشكال التشريع في البرلمانات وغيرها عدوانا على حق الله في التشريع والمجتمعات التي رضيت بهذه الأنظمة باعتبارها مجتمعات جاهلية تحتاج لأن تدخل الإسلام من جديد ،وبالتالي فهي لا تعطي أولوية لجوانب عقدية أخرى مثل الدعوة لغير الله والذبح والطواف على الأضرحة، ومحاربة البدع كما هو شأن جماعات أخرى عرفت في الساحة الدعوية.

وقد جاء في البيان الأول للجماعة: ” فلا ديمقراطية تخضعنا لحكم البشر وتخرجنا من حكم الله ولا سيادة للشعب بل السيادة كلها لله والأمة ليست مصدر السلطات بل القرآن والسنة هما مصدر السلطات “. وهذه الرؤية مستقاة من القرآن الكريم مباشرة وإن كان فيها تأثيرات من المفكرين الإسلاميين الذين واجهو الاستعمار وأذنابه بمدافع أقلامهم وصلتنا وزادتنا اشتعالا مثل حسن البنا وسيد قطب ومحمد قطب، وأبو الأعلى المودودي والندوي وعبد القادر عودة وغيرهم كما يقول الكاتب عبد القادر موسى (ص: 286). وليست كذلك استيرادا من مصر، أو بتأثير الجماعة التي أطلقت الصحافة والمتأمرون بالتكفير- كما يقول عبد القادر موسى-.

وهذا التفسير للحاكمية بهذا ” التعميم” ومن دون تفصيل يجعل من التقابل النِّدّي بين الإرادة الشعبية، والحاكمية الالهية حاصلا في الفهم، في حين أن المقصود في نظرنا من فكرة الحاكمية أن يكون مصدر التشريع والقانون هو الشريعة[1]. أما تشريع القوانين التفصيلية فذلك من اختصاص المؤسسة التمثيلية للأمة التي تتقيد بمصدر التشريع والقانون.

تكفير المجتمعات الإسلامية: الذي يبدو من مجمل الخطاب هو تكفيرها للمجتمعات المسلمة ،وهذا يتضح من مضمون خطابها الذي هو الدعوة الى التوحيد فقط (وليس الالتزام التفصيلي أو الإصلاح الشامل) ويبدو ذلك أيضا من مطالبتها للأمة بالإعلان عن هذه العبودية، ومن المراحل الدعوية التي حددت لنفسها وصولا الى التطبيق الكامل لشرع الله.

ويتضح أيضا ذلك رؤيتها للواقع الذي تعالجه؛ فهو واقع بعيد كل البعد عن الإسلام وقبول أحكامه والعبودية لرب العالمين، فالتوصيف الحالي للمجتمع المستهدف هو أنه مجتمع اختار تشريعات الطواغيت الذين يحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله، وهذا المجتمع يختار الهيئات والبرلمانات التي تضع الدساتير، وتترك شرع الله القويم وهذا يتناقض مناقضة صريحة مع ادعائها للاسلام والحال هذه، ولن يكونوا مسلمين إلا بالتبرؤ من كل ما هم فيه واعلان عبوديتهم لله من جديد والتلقي منه كل شيء يخص حياتهم وأمتهم والعالم أجمع، فإذا فعلت الأمة ذلك فقد خطت الخطوة الأولى للنجاة من شقاوة الدنيا والاخرة. جاء في موقع الجماعة بالإنترنت تحت عنوان: ” لماذا نشأت جماعتنا؟” إن انحراف الناس عن دين الله ينبغي معه التوضيح الكامل بأنهم ليسوا في دين الله ..” ويتكرر في بياناتهم وفي موقعهم نحو هذه التصريحات.

وينتج بالإيمان بضلال المجتمع وكفره مفاصلته والعزلة عنه شعوريا، ودعوته إلى اعتناق التوحيد من جديد.

ملامح المنهج الحركي للجماعة:

جماعة ملتزمة بمنهج الرسول في الدعوة: الجماعة – حسب بيانها- تلتزم بمنهج الرسول -صلى الله عليه وسلم-في الدعوة والخطوات التي سلكها، وهي أنها تمر بمراحل الدعوة السرية ومرحلة الجهر والاعلان والابتلاء ثم بمرحلة الدولة والتطبيق الكامل للاسلام حتى إن اسم الجماعة مستوحى من المرحلة الجديدة التي دخلت فيها ، وهي مرحلة الصدع بالحق والاستعداد لتحمل تبعاته مهما كانت، والاسم مأخوذ من المرحلة الثانية لدعوة الرسول-صلى الله عليه وسلم-.

جماعة عالمية: الجماعة جماعة عالمية مركزها في مصر، وتنزل القرارات إلى الروابط والفروع القطرية في الدول العربية والإفريقية ومنها الصومال، وقد جاء هذا الإعلان في بيانين متتابعين يعرض فيهما فكرة التنظيم ورؤيته، والقواعد التي يسير عليها في المرحلة المقبلة.

جماعة لا تسعى للسلطة: الجماعة لا تعتبر نفسها فصيلاً من فصائل الإسلام السياسي أو الجهادي بل لا تعدو أن تكون مجموعة دعوية تحمل بعض الأفكار المتطرفة المستقاة من تأويلات البعض لكتب سيد قطب وشقيقه محمد قطب، فهي في طرحها تخالف الجماعات الإسلامية الأخرى في العام الإسلامي حيث تسعى الى ايجاد الجماعة المسلمة من جديد، وليست مهمتها تصحيح ما هو قائم وموجود، وهذه هي نقطة خلافها مع الحركات التصحيحية الأخرى، التي تعترف باسلامية مجتمعاتها ثم تنطلق في تصحيح الجوانب الأخرى من السياسة والاقتصاد والتعليم، والاجتماع.

جماعة لا تمارس العنف : الجماعة لا تمارس العنف كخيار مبدئي تلتزمه اتباعا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-في مراحل دعوته، وبما أنها في مرحلة الصدع بالحق فهي تمر في مرحلة《 كفوا أيديكم》، ولا يعني هذا تخليها عن الجهاد، الذي سيأتي في حينه المناسب كما جاء في البيان.

الاعتماد المفرط على وسائل التواصل الاجتماعي: يظهر من تفاعل الجماعة أنها اعتبرت وسائل التواصل الاجتماعي الوسيلة المثلى والفضاء الآمن الذي تتحرك من خلاله، وتوصل به رسائلها إلى المتلقّين من جميع الأعمار والمستويات، وقد وظفت مهندسي التقنية ومصممي البرامج لإنتاج حلقات عالية الجودة، تجتذب طبقات الشباب، وأعضاء من مستويات عمرية مختلفة، ولكن تبقى المنابر الأخرى مثل المساجد والمدارس والجامعات وقنوات التلفزة شبه محظورة من الجماعة الوليدة.

أبرز الشخصيات:

يتضمن تسجيل الإعلان باللغة العربية أسماء العديد من الشخصيات القيادية التي تظهر في التسجيل وأكثرها مصرية فأمير الجماعة هو المصري. مصطفى كامل محمد، إلى جانب العديد من الشخصيات ومن حيث الجنسيات التي ظهرت في تسجيل الاعلان فقد تألفت من أربع جنسيات:

مصريون وهم الأكثرية، وليبيا والصومال والكويت، ويبدو أن ثمة تنسيقا واتصالا قويا تبلور في مراحل سابقة بشكل متدرج انتهى بشكله الحالي، وهو الاتفاق على تدشين المرحلة الجديدة رغم تبعاتها الأمنية.

وبالنسبة للشخصيات الصومالية التي ظهرت في التسجيلات المتتابعة نجدها شخصيات معروفة في الوسط التعليمي والثقافي أو سوق العمل وكثير منهم يحملون شهادة الدكتوراة ،وأكثرهم كانوا معروفين لدى المطلعين على شؤون الحركات الإسلامية في الصومال بأنهم كانوا بقايا الجناح التكفيري (هكذا يطلق عليهم المتابعون) من تنظيم (الأهل) الذي نشط في السبعينات، ثم تراجع بعد انشقاق شريحة كبيرة من أتباعه لرفضهم التوجّه التكفيري الذي أتى به أمير التنظيم من مصر، ثم ما تلاه من نشأة التنظيمات الصحوية في الصومال منذ نهاية السبعينات، ومواجهة العلماء هذا التيار بشكل قوي؛ ولكن الجديد في الأمر أن الكثير من المهتمين لم يتصوروا بأن التنظيم سيظهر بعد هذه الفترة من الصمت والانخراط في المجتمع بهذا التوجه الذي فهم منه أن الجماعة ما زالت متمسكة بالتوجه التكفيري الذي يدعو إلى بداية الدعوة من الصفر!

ومن الشخصيات التي ظهرت أسماؤها في البيانات المسجلة-

فقد ظهر في تسجيلات التي ظهرت من مقديشو كل من: الدكتور عثمان عبد الله روبله قيادي من حركة الأهل في السبعينات وهو أكاديمي معروف، وهو أمير الفرع الصومالي، والدكتور/ يوسف أحمد هيرابي، ناشط في الصحوة الإسلامية، تخرج من الجامعة الوطنية كلية التربية، والدكتور/ عبد الرحمن طاهر أويس، أستاذ التربية في الجامعة الإسلامية بمقديشو، والدكتور/ عبد الله شيخ دون عبده، وهو ناشط في المجال التعليمي

وفي التسجيل الأول من هرجيسا ظهرت أربع شخصيات فقط هم :الأستاذ إبراهيم علي كنيع، والأستاذ محمود إسماعيل يوسف (فوزي) والمهندس عبد الله عيسى، والدكتور طاهر علي جامع.

وظهر في تسجيل الإعلان من بونتلاند الشيخ بشير شيخ محمد عبدي حاجي من مواليد 1958، رجل أعمال مثقف من نشطاء الجماعة القدماء، ويقيم في بوصاصو، والأستاذ محمد علي مري (نجيب) والمهندس/ محمد عبد الرحمن، والسيد حسين طاهر أفرح، والسيد/ عبد الرشيد جامع عرب، والأستاذ/ جمال حسن موسى ، وهو عميد سابق لكلية التربية بجامعة شرق إفريقيا، ومدير هيئة محلية متعاقدة مع الأمم المتحدة تعمل في مجال التدقيق والإشراف.

استشراف مستقبل الجماعة:

الذي يبدو أن الجماعة شرعت الآن في خوض مواجهات فكرية وبيانية، وقد سلكت حاليا كل السبل الممكنة للإعلان عن هويتها مستفيدة من فضاء التكنولوجيا، وبهذا فهي تستقطب المزيد من الاهتمام والردود في الساحة، رغم أن خطابها يتسم ببساطة الطرح وسذاجته، وعدم مواكبته الأحداث، فهو طرح كان ممكنا في فترة الصحوة الإسلامية في السبعينات ولكنه غير مقبول الآن، فالواقع أسقط كل هذه الشعارات أرضًا، بعد فشل الجماعات التي تحملها، فالأمة لن تأكل شعارات بعد اليوم، بل تريد من يقوم بخطوات عملية في طريق النهضة وحل مشكلاتها العاجلة.

كما أن إعلان الجماعة جاء متأخرا بعد أن تشبعت الساحة الدعوية بالأفكار والاتجاهات، وانتشرت الثقافة الدينية في جميع شرائح المجتمع، وهذا يؤشّر على أن رصيدها الشعبي سيكون ضئيلا، وأنها ستواجه تحديات بالغة في إقناع الشعب بدعوة البداية من نقطة الصفر، وذلك في ظل انتشار الثقافة الدينية في مختلف شرائح المجتمع.

الظاهر أن دعوة هذا الاتجاه ستكون نخبوية بالدرجة الأولى كما يظهر من أفرادها الذين ظهروا في التسجيل، ومن أعمار أتباعها الكهول ، ولكن لا شك أنهم تأهّبوا لخوص فترة من التحديات والتجاذبات التي نأوا بأنفسهم عنها طيلة العقود الثلاثة الأخيرة، حيث انخرط – أغلبهم – في المجتمع وضربوا في أعماقه ، وكسبوا ثقة من حولهم!.

ردود الأفعال:

منذ إعلان الجماعة الدولية من مصر، وفي الصومال وما تلا ذلك من بيانات متتالية معدّة سلفًا باحترافية ، فقد اشتعلت ردود الأفعال في ساحة وسائل التواصل الاجتماعي ، وسكب حبر كثير فوق الصحف، وقد دافع أعضاء الجماعة عن أفكارهم ومواقفهم بالرد على الاستفسارات الموجهة إليهم وكان من الملفت للنظر مدى شيوع المراوغة والتهرب عن إعلان موقفهم من المجتمع في إجاباتهم، وهو أمر مفهوم لأن ذلك يضعهم أمام عاصفة شديدة من النقد والتجريح من قبل عامة المجتمع.

وفيما يتعلق بردود العلماء فقد انعقدت خلال شهر رجب /أبريل جلسات وندوات وصدرت بيانات من هيئات وروابط العلماء لتشخيص الظاهرة، وبيان الحكم عليها، وكان بينها بيان روابط العلماء وقد جاء فيه: ” إن جماعة الصادعون بالحق هي جزء من الجماعات التكفيرية التي أخذت واعتنقت الفكر التكفيري الذي نشأ في السجون المصرية في الستينيات…وأضاف البيان: إن هذا الفكر مبني على تكفير المسلمين أو معظمهم “، وقد وقع البيان كلا من الشيخ بشير أحمد صلاد رئيس هيئة علماء الصومال، والشيخ يوسف علي عينتي رئيس مجمع علماء الصومال، والشيخ عبد القادر صومو المتحدث باسم مجلس علماء الصومال، وأصدرت هيئة علماء الصومال بيانا مماثلا جاء فيه أن  “الصادعون بالحق “  جماعة تكفّر غالبية المسلمين كما  هو موضح في سلسلة إصداراتهم الجديدة وخاصة الإصدار الثاني، مشيرة إلى انطلاقها من أفكار خاطئة لها علاقة بالمسائل العقدية والسيرة النبوية، وقالت الهيئة إن هذه الأفكار تقود أصحابها إلى قرارات سيئة وإلى القيام بخطوات لا يحمد عقباها، محذرة الشعب من  خطر الأفكار التكفيرية المروجة من قبل الجماعة الجديدة ..” . وقد أصدرت وزارة الأوفاف الصومالية بيانا تحذر فيه من الجماعة وتصفها بأنها جماعة تكفيرية.

وتزامن مع البيانات السابقة طائفة كبيرة من المحاضرات بقصد تجلية أمر الجماعة، والتحذير من مغبة الاغترار بدعاويها ويمكن الإشارة إلى محاضرات الشيخ محمد عبدي أمل في نيروبي، وقد ربطها بالجماعة المعروفة بـ(التكفير) في مصر وأرجع نشأتها إلى سجون مصر، والتي انتقلت إلى الصومال في أواخر السبعينيات من القرن الميلادي الماضي، وقال إنه لا فرق بينهم وبين جماعة محمود نور المعروفة بـ(التكفير) في الفكر، وإنما في الأساليب التكتيكية والسرية والعلنية، ومحاضرة الشيخ عبد القادر عكاشة من نيروبي ربطها أيضا بالجماعات التكفيرية، كما انعقدت ندوة علمية في بوصاصو، تحدث فيها الشيخ طاهر عبده، وربطهم بجماعات التكفير المعروفة.

أما الشيخ عبد الرحمن سليمان بشير، فقد نشر في صفحته تقييما خاصا به وقال: ” إن هذه الجماعة المتأثرة بخط المدرسة القطبية من الفكر الحركي تؤمن بأن الطريق طويل، وبأن الغاية بعيدة ، وبأن المواجهة مع قوي الكفر حتمي، ولهذا فلا بد من إعداد الجيل الرباني، وصناعة القاعدة الصلبة؛ فالدعوة اليوم حسب قراءتهم في المرحلة المكية ، فهذه القراءة تصطدم مع جل القراءات التي تقررت في داخل المدرسة السنية ، ولدي غالب الحركات الإسلامية العاملة للإسلام..”.

وفي هرجيسا تحدث الشيخ عبد الله حسن حاشي ” البربراوي” عن الجماعة، وقال: ” كانوا مختفين في المجتمع مع إيمانهم بكفرهم، والآن يقولون لنا: انتهت المرحلة السرية، ودخلنا في المرحلة الجهرية عملا بقوله تعالى: {فاصدع بما تؤمر}، وقد سموا أنفسهم باسم جميل، وهم فرقة من فرق الخوارج… “.

وعلى الصعيد السياسي استجابت الحكومات للتحذيرات من الجماعة، فقد وجهت حكومة ولاية بونتلاند تحذيرا شديدا لأفراد الجماعة بعد إطلاق بيانهم من غرووى ولكنها لم تقم باعتقالات، في حين اعتقلت شرطة إدارة صوماليلاند شمال البلاد، في 08 من أبريل 2017 أربعة شخصيات ظهروا من هرجيسا في تسجيل لإعلان تأييدهم لجماعة الصادعون بالحق التي يقودها المصري مصطفى كامل محمد ، وقد تم إيداعهم في السجن بعد مداهمة منازلهم في مدينة هرجسيا بتهم الإخلال بالأمن وإنشاء كيان حزبي غير مرخص.

ومن الغريب أن يتحدث عنهم الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله مع أنه لم يسمع من أعلن في جيبوتي تأييده للجماعة فقد قال في حديث مقتضب لقناة ساب تي.في. SAABTV في 15 أبريل 2017م “….لم نسمع بهم من قبل، فقط علمنا من وسائل التواصل جماعة تقول نحن صادعون بالحق، وهؤلاء يرجع أصلهم إلى التكفير القدماء، يقولون أنهم لا يستعملون العنف، وليسوا حزبا سياسيا، وهم كهول وشيوخ وأقلهم عمرا هو ابن خمسين سنة، فما شأنهم يا ترى؟”

وعلى صعيد الاستجابة الشعبية للإعلان فقد تعرض بعض أعضاء الجماعة للفصل من وظائفهم من هيئات تعليمية وجامعات، وقد فسّر بأن تلك المؤسسات خافت على سمعتها بعد موجة من الردود الغاضبة على الجماعة.

ومما تجدر الإشارة إليه أن أغلب ردود أفعال المثقفين استنكرت التعاطي الأمني والعنف ضد الجماعة داعية إلى الحوار الهادئ وإعطاء فرصة لعرض وجهة آرائهم، واللجوء إلى الأساليب القانونية التي تضمن حرية الرأي، دون الأساليب الإرهابية والإلغاء والإعفاء من الوظائف.

توصيات للتعاطي مع الجماعة:

نقدم في نهاية الورقة بعض التوصيات للعلماء وللحكومة ولفئات المجتمع الصومالي للتعامل القويم مع الجماعة، ونشير في البداية بشكل عام إلى أن أفكار الجماعة لا تخدم الاستقرار الوطني، وستخلق المزيد من توهين الصف وشقّ الصف في بلد مثقل بالخلافات الفكرية والعصبية.

توصي هذه الدراسة العلماء بالقيام بمزيد من دراسة أفكار الجماعة ومنطلقاتها الفكرية وتقييمها تقييما دقيقا خاليا من التعصب، والاعتراف بوجود حالة لا يسبق لها مثيل من ضعف التمسك بالإسلام.
الاضطلاع بمسئولية تسليط الأضواء الكاشفة على الأفكار الضالة التي تقود نحو العنف والتطرف وإلى التقاتل داخل المجتمع حرصا على الوئام والسلم المجتمعي.
توصي الدراسة العلماء بإيثار الحكمة والتثبت في الأقوال والميل الى التبشير والابتعاد عن العنف القولي كما أوصى رسولنا للدعاة: “بشروا ولا تنفروا ، ويسروا ولا تعسروا “، والحكم على الأفراد والجماعات لابد وأن يتعمد على العلم والعدل.
توصي الدراسة الحكومة الصومالية بإعلان كون الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد لجميع التشريعات الوطنية إرضاء لله ، وقطعا للطريق أمام الجماعات المتطرفة التي تحرض الناس على تقويض المجتمع، ومؤسسات الدولة.
القيام بالتحصين الفكري والاهتمام بتربية الجيل، وحمايتهم بنشر الفكر الوسطي الذي يرعى الحق ويرحم الخلق.
كما توصي الدراسة الحكومة باللجوء إلى الأساليب القانونية التي تضمن كرامة الإنسان ، وحق حرية الرأي بالحدود التي يضمنها الدستور.
وأخيرا توصي الدراسة للمؤسسات التعليمية والهيئات الوطنية بالابتعاد عن أسلوب الإلغاء والتهديد والإعفاء من الوظائف كما حدث لبعض أفراد الجماعة فإن مثل هذا اللون من التعامل من شأنه أن يدفع أفراد الجماعة إلى مزيد من العنف ويقطع الطريق على استمرار الحوار والإقناع.

مراجع الورقة:

– عبد القادر موسى ، صفحات من تاريخ اليقظة الإسلامية في الصومال، ط أبريل 2016م، وقد رجعت إلى النسخة المخطوطة قبل الطبع.
– سمية عبد القادر شولي، ما لم يصدع به الصادعون بالحق ، نشر في موقع تكايا، بتاريخ 2017-04-06 http://takayaa.com/2017/04/06/%D9%85%D8%A7-%D9%84%D9%85-%
– محمد عمر أحمد، قراءة سريعة لأهداف وملامح ومستقبل جماعة ( الصادعون بالحق) نشر في صومالي تايمز، وفي صفحة الكاتب.
– د. عمر محمد ورسمه، ملاحظات على بيان جماعة ” الصادعون بالحق” نشر في وسائل التواصل الاجتماعي، 4 أبريل 2017.
– الشيخ عبد الرحمن سليمان بشير، قراءة هادئة في أفكار جماعة ( الصادعون بالحق، نشرها في صفحته بالفيسبوك بتاريخ 4 أبريل 2017.
– وائل علي نصر الدين، جماعة «الصادعون بالحق»: هل وُلد قطبيون جدد من رحم الأزمة؟ بتاريخ 18/04/2017
http://ida2at.com/alsadoun-belhak-group-are-qutbies-born-from-the-womb-of-the-crisis/

[1] – انظر، مفهوم الدولة المدنية في الفكر الغربي والاسلامي/أحمد أبو عشرين الأنصاري، أبريل 2014 المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

Share This:

عن صومالي تايمز (التحرير)

صومالي تايمز (التحرير)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *